ابو بكر بن طفيل
86
حي بن يقظان
وهي مع ذلك مستديرة للمرايا الصقيلة التي ارتسمت فيها صورة الشمس ، ومولية عنها بوجوهها . ورأى لهذه الذوات من القبح والنقص ، ما لم يقم قط بباله . ورآها في آلام لا تنقضي ، وحسرات لا تنمحي ؛ قد أحاط بها سرادق العذاب ، وأحرقتها نار الحجاب ؛ ونشرت بمناشير بين الانزعاج والانجذاب . عودته إلى العالم المحسوس بعد مشاهدته عالم الأنفس وشاهد هنا ذواتا سوى هذه المعذبة تلوح ، ثم تضمحل ، وتنعقد ثم تنحل فتثبت فيها . وأنعم النظر إليها : فرأى هولا عظيما ، وخطبا جسيما ، وخلقا حثيثا ، واحكاما بليغة ، وتسوية ونفخا وانشاء ونسخا . فما هو الا ان تثبت قليلا ، فعادت اليه حواسه ، وتنبه من حاله تلك التي كانت شبيهة بالغشي ، وزلت قدمه عن ذلك المقام ، ولاح له العالم المحسوس ، وغاب عنه العالم الإلهي ؛ إذ لم يكن اجتماعهما في حال واحدة كضرتين : ان أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى . فان قلت : يظهر مما حكيته من هذه المشاهدة ان الذوات المفارقة ، ان كانت لجسم دائم الوجود لا يفسد كالأفلاك ، كانت هي دائمة الوجود ؛ وان كانت لجسم يؤول إلى الفساد ، كالحيوان الناطق ، فسدت هي واضمحلت وتلاشت ؛ حسبما مثلت به في مرايا الانعكاس . فان الصورة لا ثبات لها الا بثبات المرآة ، فإذا فسدت المرآة صحّ فساد الصورة واضمحلت هي . فأقول لك : ما اسرع ما نسيت العهد ، وحلت عن الربط . ألم نقدم إليك ان مجال العبارة هنا ضيق ، وان الالفاظ على كل حال توهم غير الحقيقة . وذلك الذي توهمته انما اوقعك فيه ان جعلت المثال والممثل به على حكم واحد ، من جميع الوجوه . ولا ينبغي ان يفعل ذلك في أصناف المخاطبات المعتادة ؛ فكيف هاهنا والشمس ونورها ، وصورتها وتشكلها ، والمرايا والصور الحاصلة فيها ، كلها أمور غير مفارقة للأجسام ، ولا قوام لها الا بها وفيها ؟ فلذلك افتقرت في وجودها إليها ، وبطلت ببطلانها . واما الذوات الإلهية ، والأرواح الربانية ، فإنها كلها بريئة عن الأجسام ولواحقها ، ومنزهة غاية التنزيه عنها ؛ ولا ارتباط ولا تعلق لها بها ؛ وسواء بالإضافة إليها بطلان الأجسام أو ثبوتها ، ووجودها أو عدمها . وانما ارتباطها وتعلقها بذات الواحد الحق الموجود الواجب الوجود ، الذي هو أولها ومبدأها ، وسببها وموجدها ، وهو يعطيها