ابو بكر بن طفيل
75
حي بن يقظان
أحدهما : ما يمده به من داخل ، ويخلف عليه بدل ما يتحلل منه ، وهو الغذاء . والآخر : ما يقيه من خارج ، ويدفع عنه وجوه الأذى ، من البرد والحر والمطر ولفح الشمس والحيوانات المؤذية ، ونحو ذلك . ورأى أنه ان تناول ضرورية من هذه جزافا كيفما اتفق ، ربما وقع في السرف واخذ فوق الكفاية . فكان سعيه على نفسه من حيث لا يشعر . فرأى أن الحزم له ان يفرض لنفسه فيها حدودا لا يتعداها ، ومقادير لا يتجاوزها . ولكن له جسم ؛ فاهتم به إلى أدنى حد ، حتى لا يكون عائقا له في استغراقه ( الزهد ) وبان له ان الفرض يجب ان يكون في جنس ما يتغذى به ، واي شيء يكون ، وفي مقداره ، وفي المدة التي تكون بين العودات اليه . فنظر أولا في أجناس ما به يتغذى ، فرآها ثلاثة اضرب : 1 - اما نبات لم يكمل بعد نضجه ولم ينته إلى غاية تمامه ، وهي أصناف البقول الرطبة التي يمكن الاغتذاء بها . 2 - واما ثمرات النبات الذي قد تم وتناهى واخرج بزره ليتكون منه آخر من نوعه حفظا له ، وهي أصناف الفواكه رطبها ويابسها . 3 - واما حيوان من الحيوانات التي يتغذى بها ، اما البرية واما البحرية . وكان قد صحّ عنده ان هذه الأجناس كلها من فعل ذلك الموجود الواجب الوجود ، الذي تبين له ان سعادته في القرب منه ، وطلب التشبيه به ؛ ولا محالة ان الاغتذاء بها مما يقطعها عن كمالها ، ويحول بينها وبين الغاية القصوى المقصودة بها . فكان ذلك اعتراض على فعل الفاعل . وهذا الاعتراض مضاد لما يطلبه من القرب منه والتشبه به ؛ فرأى أن الصواب كان له ، لو أمكن ان يمتنع عن الغذاء جملة واحدة . لكنه لما لم يمكنه ذلك ، ورأى أنه ان امتنع عنه ، آل ذلك إلى فساد جسمه ، فيكون ذلك اعتراضا على فاعله أشد من الأول ، إذ هو اشرف من تلك الأشياء الاخر التي يكون فسادها سببا لبقائه . فاستسهل أيسر الضررين ، وتسامح في أخف الاعتراضين ، ورأى أن يأخذ من هذه الأجناس ، إذا عدمت ، أيها تيسر له ، بالقدر الذي يتبين له بعد هذا .