ابو بكر بن طفيل

76

حي بن يقظان

نوع طعامه : اقتصر طعامه على الفواكه - مع العناية ببزورها - أو بزر بعض الثمر مثل الجوز . أو الحيوان أو بيض الحيوان شرط ان يأخذ ما هو أكثر وجودا حتى لا يفنى نوعه . فاما ان كانت كلها موجودة ، فينبغي له حينئذ ان يتثبت ويتخير منها ما لم يكن في اخذه كبير اعتراض على فعل الفاعل ؛ وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد تناهت في الطيب ، وصلح ما فيها من البزر لتوليد المثل ؛ على شرط التحفظ بذلك البزر ، بان لا يأكله ولا يفسده ولا يلقيه في موضع لا يصلح للنبات ، مثل الصفاة « 1 » والسبخة ونحوهما . فان تعذر عليه وجود مثل هذه الثمرات ذات اللحم الغاذي ، كالتفاح والكمثرى والاجاص ونحوها ، كان له عند ذلك ان يأخذ اما من الثمرات التي لا يغذو منها الا نفس البزر ، كالجوز والقسطل ، واما من البقول التي لم تصل بعد حد كمالها . والشرط عليه في هذين ان يقصد أكثرها وجودا وأقواها توليدا ، وان لا يستأصل أصولها ولا يفني بزرها . فان عدم هذه ، فله ان يأخذ من الحيوان أو من بيضه ، والشرط عليه في الحيوان ان يأخذ من أكثره وجودا ، ولا يستأصل منه نوعا بأسره . هذا ما رآه في جنس ما يتغذى به . المقدار : ما يسد خلة الجوع الزمان : يأكل لما يشعر بضعف من قلة الطعام واما المقدار ، فرأى أن يكون بحسب ما يسد خلة « 2 » الجوع ، ولا يزيد عليها . واما الزمان الذي بين كل عودتين فرأى أنه إذا اخذ حاجته من الغذاء ، ان يقيم عليه ولا يتعرض لسواه ، حتى يلحقه ضعف يقطع به عن بعض الاعمال التي تجب عليه في التشبه الثاني ، وهي التي يأتي ذكرها بعد هذا . فاما ما تدعو اليه الضرورة في بقاء الروح الحيواني مما يقيه من خارج ، فكان الخطب فيه عليه يسيرا ، إذ كان مكتسيا بالجلود ، وقد كان له مسكن يقيه مما يرد عليه من خارج . فاكتفى بذلك ، ولم ير الاشتغال به ؛ والتزم في غذائه القوانين التي رسمها لنفسه ، وهي التي تقدم شرحها .

--> ( 1 ) الصفاة : الحجر الضخم الشديد الذي لا ينبت . ( 2 ) خلة : حاجة .