ابو بكر بن طفيل
60
حي بن يقظان
هل العالم حادث أم قديم ؟ الفلك بجملته شيء واحد متصل بعضه ببعض : هو بمثابة حيوان كبير فلما انتهى إلى هذه المعرفة ، ووقف على أن الفلك بجملته وما يحتوي عليه ، كشيء واحد متصل بعضه ببعض ، وان جميع الأجسام التي كان ينظر فيها أولا ، كالأرض والماء والهواء والنبات والحيوان وما شاكلها ، هي كلها في ضمنه وغير خارجة عنه ، وانه كله أشبه شيء بشخص من اشخاص الحيوان ، وما فيه من الكواكب المنيرة هي بمنزلة حواس الحيوان ؛ وما فيه من ضروب الأفلاك ، المتصل بعضها ببعض ، هي بمنزلة أعضاء الحيوان ؛ وما في داخله من عالم الكون والفساد هي بمنزلة ما في جوف الحيوان من أصناف الفضول والرطوبات ، التي كثيرا ما يتكون فيها أيضا حيوان ، كما يتكون في العالم الأكبر . فلما تبين له انه كله كشخص واحد في الحقيقة ، قائم محتاج إلى فاعل مختار ، واتحدت عنده اجزاؤه الكثيرة ، بنوع من النظر الذي اتحدت به عنده الأجسام التي في عالم الكون والفساد ، تفكر في العالم بجملته ، هل هو شيء حدث بعد ان لم يكن ، وخرج إلى الوجود بعد العدم ؟ أو هو امر كان موجودا فيما سلف ، ولم يسبقه العدم بوجه من الوجوه ؟ فتشكك في ذلك ، ولم يترجح عنده أحد الحكمين على الآخر . اعتراضات ضد القول بالقدم . - الوجود لا يخلو من الحدوث ، ولا يمكن ان يتقدم على الحوادث . هذا اعتراض ضعيف . وذلك أنه كان إذا أزمع على اعتقاد القدم ، اعترضته عوارض كثيرة ، من استحالة وجود ما لا نهاية له ، بمثل القياس الذي استحال عنده به وجود جسم لا نهاية له . وكذلك كان يرى أن هذا الوجود لا يخلو من الحوادث ، فهو لا يمكن تقدمه عليها ، وما لا يمكن ان يتقدم على الحوادث ، فهو أيضا محدث . اعتراضات ضد القول بالحدوث وهي أقوى من الأولى : مما يدل على الميل إلى القول بالقدم . - إذا كان لهذا العالم محدث قديم لما يحدثه الآن ولم يحدثه معه منذ الأزل ؟ وإذا أزمع على اعتقاد الحدوث ، اعترضته عوارض أخرى ، وذلك أنه كان يرى