ابو بكر بن طفيل

61

حي بن يقظان

ان معنى حدوثه ، بعد ان لم يكن ، لا يفهم الا على معنى ان الزمان تقدمه ، والزمان من جملة العالم وغير منفك عنه . فاذن لا يفهم تأخر العالم عن الزمان . وكذلك كان يقول : « إذا كان حادثا ، فلا بد له من محدث . وهذا المحدث الذي أحدثه ، لم أحدثه الآن ولم يحدثه قبل ذلك ؟ الطارئ طرأ عليه ، ولا شيء هناك غيره ؟ أم لتغير حدث في ذاته ؟ - فإن كان ، فما الذي احدث ذلك التغير ؟ وما زال يفكر في ذلك عدة سنين ، فتتعارض عنده الحجج ولا يترجح عنده أحد الاعتقادين على الآخر . فاعل العالم لا يدرك بالحس : والا كان جسما فيدخل في نطاق العالم ، فيكون حادثا أيضا ، ويحتاج إلى محدث . فلما أعياه ذلك ، جعل يتفكر ما الذي يلزم عن كل واحد من الاعتقادين ، فلعل اللازم عنهما يكون شيئا واحدا . فرأى أنه ان اعتقد حدوث العالم وخروجه إلى الوجود بعد العدم ، فاللازم عن ذلك ضرورة انه لا يمكن ان يخرج إلى الوجود بنفسه ، وانه لا بد له من فاعل يخرجه إلى الوجود . وان ذلك الفاعل لا يمكن ان يدرك بشيء من الحواس ، لأنه لو أدرك بشيء من الحواس لكان جسما من الأجسام ؛ ولو كان جسما من الأجسام لكان من جملة العالم ، وكان حادثا ، واحتاج إلى محدث . ولو كان ذلك المحدث الثاني أيضا جسما ، لاحتاج إلى محدث ثالث ، والثالث إلى رابع ، ويتسلسل ذلك إلى غير نهاية ؛ وهو باطل . فاذن لا بد للعالم من فاعل ليس بجسم . فهو ليس بجسم : ولا يمكن تخيله . - لا يوصف بصفات الأجسام . - فاعل العالم عالم به قادر عليه وإذا لم يكن جسما فليس إلى ادراكه بشيء من الحواس سبيل ، لان الحواس الخمس لا تدرك الا الأجسام ، أو ما يلحق الأجسام . وإذا كان لا يمكن ان يحسّ فلا يمكن ان يتخيل ، لان التخيل ليس شيئا الا احضار صور المحسوسات بعد غيبها . وإذا لم يكن جسما ، فصفات الأجسام كلها تستحيل عليه . وأول صفات الأجسام هو الامتداد في الطول والعرض والعمق ، وهو منزه عن ذلك ، وعن جميع ما يتبع هذا الوصف من صفات الأجسام . وإذا كان فاعلا للعالم ، فهو لا محالة قادر عليه وعالم به « الا يعلم من خلق ، وهو اللطيف الخبير » ( سورة الملك ، آية 14 ) .