ابو بكر بن طفيل
21
حي بن يقظان
اما ابن باجه فإنه أول من تكلم بالوصول والاتصال ولكن شغلته الدنيا عن ذلك ، وهو أول من ادخل التعليم الصوفي إلى الأندلس . ثم خلف من بعدهم خلف آخر احذق منهم نظرا وأقرب إلى الحقيقة . ولم يكن فيهم أثقب ذهنا ، ولا اصحّ نظرا ، ولا أصدق روية ، من أبي بكر بن الصائغ . غير أنه شغلته الدنيا حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه ، وبث خفايا حكمته . وأكثر ما يوجد له من التأليف ، انما هي كاملة ومجزومة من أواخرها ، ككتابه « في النفس » و « تدبير المتوحد » . وما كتبه في المنطق وعلم الطبيعة . واما كتبه الكاملة ، فهي كتب وجيزة ، ورسائل مختلسة . وقد صرح هو نفسه بذلك ، وذكر ان المعنى المقصود برهانه في « رسالة الاتصال » ، ليس يعطيه ذلك القول عطاء بينا الّا بعد عسر واستكراه شديد . وان ترتيب عبارته في بعض المواضع على غير الطريق الأكمل ، ولو اتسع له الوقت مال لتبديلها . فهذا حال ما وصل الينا من علم هذا الرجل ، ونحن لن نلقى شخصه . واما من كان معاصرا له ممن لم يوصف بأنه في مثل درجته ، فلم نر له تأليفا . واما من جاء بعدهم من المعاصرين لنا ، فهم بعد في حد التزايد أو الوقوف على غير كمال ، أو ممن لم تصل الينا حقيقة امره . نقد فلسفة الفارابي الفارابي : يذكر مصير الأنفس الشريرة : يقول تارة انها تتألم ؛ وتارة انها تنحلّ وتعدم . والنفس الفاضلة باقية فقط . ثم يعود ويقول بفناء جميع الأنفس ، ويقول إن النبوة من عمل القوة الخيالية وان الفيلسوف في مرتبة اسمى من مرتبة النبي . واما ما وصل الينا من كتب أبي نصر ، فأكثرها في المنطق ، وما ورد منها في الفلسفة ، فهي كثيرة الشكوك . . . فقد أثبت في كتابه « الملة الفاضلة » بقاء النفوس الشريرة بعد الموت في آلام لا نهاية لها ، وبقاء لا نهاية له . ثم صرح في « السياسة المدنية » بأنها منحلة وسائرة إلى العدم ، وانه لا بقاء الا للنفوس الفاضلة الكاملة . ثم وصف في شرح « كتاب الاخلاق » شيئا من امر السعادة الانسانية وانها انما تكون في هذه الحياة التي في هذه الدار . ثم قال عقب ذلك ، كلاما هذا معناه : « وكل ما يذكر غير هذا فهو هذيان وخرافات عجائز » . فهذا قد أيأس الخلق جميعا من رحمة اللّه تعالى ، وصيّر الفاضل والشرير في رتبة واحدة ، إذ جعل مصير الكل إلى