ابو بكر بن طفيل
20
حي بن يقظان
الولاية ، فهذا مما لا يمكن اثباته على حقيقة امره في كتاب . ومتى حاول أحد ذلك وتكلفه بالقول أو الكتب ، استحالت حقيقته ، وصار من قبيل القسم الآخر النظري ، لأنه إذا كسى الحروف والأصوات ، وقرب من عالم الشهادة ، لم يبق على ما كان عليه بوجه ولا حال ، واختلفت العبارات فيه اختلافا كثيرا ، وزلت به اقدام قوم عن الصراط المستقيم ، وظن بآخرين ان اقدامهم زلّت وهي لم تزل ، وانما كان ذلك لأنه امر لا نهاية له في حضرة متسعة الأكناف ، محيطة غير محاط بها . اما غير المتصوفة الذين لم يلهموا ، فإنهم أهل النظر ولكنهم قلة نادرة جدا . 2 - والغرض الثاني من الغرضين اللذين قلنا إن سؤالك لن يتعدى أحدهما ، هو ان تبتغي التعريف بهذا الامر على طريقة أهل النظر . وهذا - أكرمك اللّه بولايته - شيء يحتمل ان يوضع في الكتب وتتصرف به العبارات ، ولكنه اعدم من الكبريت الأحمر ، ولا سيما في هذا الصقع « 1 » الذي نحن فيه ، لأنه من الغرابة في حد لا يظفر باليسير منه الا الفرد بعد الفرد . - ومن ظفر بشيء منه لم يكلم الناس الا رمزا . فان الملة الحنيفة والشريعة المحمدية قد منعت من الخوض فيه ، وحذرت عنه . ذوو الفطرة الفائقة بالأندلس كانوا يتعاطون العلوم التجريبية قبل ان يتعاطوا الفلسفة والمنطق . ولا تظنن ان الفلسفة التي وصلت الينا في كتب ارسطوطاليس ، وأبي نصر « 2 » ، وفي كتاب « الشفاء » « 3 » تفي بهذا الغرض الذي أردته ، ولا ان أحدا من أهل الأندلس كتب فيه شيئا فيه كفاية ، وذلك ان من نشأ بالأندلس من أهل الفطرة الفائقة قبل شيوع علم المنطق والفلسفة فيها قطعوا أعمارهم بعلوم التعاليم « 4 » ، وبلغوا فيها مبلغا رفيعا ، ولم يقدر على أكثر من ذلك . ثم خلف من بعدهم خلف زادوا عليهم بشيء من علم المنطق ، فنظروا فيه ولم يفض بهم إلى حقيقة الكمال ، فكان فيهم من قال : برّح بي أنّ علم الورى * اثنان ما إن فيهما من مزيد حقيقة يعجز تحصيلها * وباطل تحصيله ما يفيد
--> ( 1 ) هذا الصقع : يريد بلاد الأندلس . ( 2 ) أبو نصر هو الفارابي . ( 3 ) كتاب لابن سينا ، شامل لفلسفته ، وله ملخص يعرف بعنوان « النجاة » . ( 4 ) علوم التعاليم : العلوم التجريبية التي تتطلب مشاهدة واختبارا .