ابو بكر بن طفيل
19
حي بن يقظان
وابن باجه يقول إن اللّه يهب من يشاء هذه المعرفة - فهي الهام - وهؤلاء هم الأولياء . فحال الناظرين الذين لم يصلوا إلى طور الولاية ، هي حالة الأعمى الأولى ، والألوان التي في هذه الحال معلومة بشروح أسمائها ، هي تلك الأمور التي قال أبو بكر انها أجل من أن تنسب إلى الحياة الطبيعية ، يهبها اللّه لمن يشاء من عباده . وحال النظار الذين وصلوا إلى طور الولاية ، ومنحهم اللّه تعالى ذلك الشيء الذي قلنا إنه لا يسمى قوة الا على سبيل المجاز ، هي الحالة الثانية . ما يعنيه ابن طفيل ب « ادراك أهل النظر » . وقد يوجد في النادر من ( هو بمنزلة من ) كان ابدا ثاقب البصيرة ، مفتوح البصر ، غير محتاج النظر . ولست اعني - أكرمك اللّه بولايته - بادراك أهل النظر « 1 » هاهنا ، ما يدركونه من عالم الطبيعة ، وبادراك أهل الولاية « 2 » ، ما يدركونه مما بعد الطبيعة ، فان هذين المدركين متباينان جدا بأنفسهما ، ولا يلتبس أحدهما بالآخر . بل الذي نعنيه بادراك أهل النظر ، ما يدركونه مما بعد الطبيعة ، مثل ما ادركه أبو بكر . ويشترط في ادراكهم هذا ان يكون حقا صحيحا . وحينئذ يقع النظر بينه وبين ادراك أهل الولاية الذين يعتنون بتلك الأشياء بعينها ، مع زيادة وضوح ، وعظيم التذاذ . وقد عاب أبو بكر ( ذكر ) هذا الالتذاذ على القوم ، وذكر انه للقوة الخيالية ، ووعد بان يصف ما ينبغي ان يكون حال السعداء عند ذلك ، بقول مفسر مبين . وينبغي ان يقال له ( هاهنا ) : « لا تستحل طعم شيء لم تذق ، ولا تتخط رقاب الصديقين » ! ولم يفعل الرجل شيئا من ذلك ، ولا وفى بهذه العدة . وقد يشبه ان منعه عن ذلك ما ذكره من ضيق الوقت واشتغاله بالنزول إلى ( وهران ) رأى أنه ان وصف تلك الحال اضطره القول إلى أشياء فيها قدح عليه في سيرته ، وتكذيب لما اثبته من الحث على الاستكثار من المال والجمع له ، وتصريف وجوه الحيل في اكتسابه . وقد خرج بنا الكلام إلى غير ما حرّكتنا اليه بسؤالك بعض خروج ، بحسب ما دعت الضرورة اليه ، وظهر بهذا القول إن مطلوبك لم يتعد أحد غرضين : أصحاب المشاهدة والأذواق لا يستطيعون ان يعبروا عن هذه الحالة بالألفاظ . 1 - اما ان تسأل عما يراه أصحاب المشاهدة والأذواق والحضور ، في طور
--> ( 1 ) - الفلاسفة . ( 2 ) - المتصوفة .