ابو بكر بن طفيل
16
حي بن يقظان
السعد السرمدي - ان أبث إليك ما أمكنني بثه من اسرار الحكمة المشرقية « 1 » التي ذكرها الشيخ الامام الرئيس أبو علي بن سينا . فأعلم ان من أراد الحق الذي لا جمجمة فيه ، فعليه بطلبها والجد في اقتنائها . وصف الحالة التي شعر بها ابن طفيل عندما طلب منه ذلك : يتذكر حال المتصوفة القائلين بالوصول والفناء في الحق . ولقد حرّك مني سؤالك خاطرا شريفا افضى بي - والحمد للّه - إلى مشاهدة حال لم اشهدها قبل ، وانتهى بي إلى مبلغ هو من الغرابة ، بحيث لا يصفه لسان ، ولا يقوم به بيان ، لأنه من طور غير طورهما ، وعالم غير عالمهما . غير أن تلك الحال ، لما لها من البهجة والسرور ، واللذة والحبور ، لا يستطيع من وصل إليها ، وانتهى إلى حد من حدودها ، ان يكتم امرها أو يخفي سرها ، بل يعتريه من الطرب والنشاط والمرح والانبساط ، ما يحمله على البوح بها مجملة دون تفصيل ؛ وان كان ممن لم تحذقه العلوم قال فيها بغير تحصيل ، حتى أن بعضهم قال في هذه الحال : « سبحاني ما أعظم شأني » « 2 » ؟ وقال غيره : « انا الحق » . وقال غيره : « ليس في الثوب الا اللّه » « 3 » واما الشيخ أبو حامد الغزالي ، رحمة اللّه عليه ، فقال متمثلا عند وصوله إلى هذا الحال بهذا البيت : « فكان ما كان مما لست اذكره * فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر » « 4 » وانما ادبته المعارف وحذقته العلوم « 5 » .
--> ( 1 ) الحكمة المشرقية : لقد اختلفت الآراء - لا سيما بين المستشرقين - في تفسير معنى الحكمة المشرقية : فمن قائل يقول إنها تعني الحكمة المشرق ، وذلك مقابل لكلمة المغاربة ، والمقصود بهم اليونان . أو لأنها تعني حكمة القسم الشرقي من الدولة الاسلامية ، إذ ان ابن سينا فارسي ، وفارس تقع في القسم الشرقي من بغداد التي كانت عاصمة الدولة العباسية . - ومن قائل يقول إنها تعني حكمة الاشراق . فيرد معترض ويقول : لو كانت تعني الاشراق لأطلق عليها اسم الحكمة الاشراقية لا المشرقية . ولكنا نجد انه سواء عنت حكمة المشرق أو حكمة الاشراق فالمقصود واحد ، وهو الاشراق ، هذا المذهب الذي ادخله الفارابي في الفكر الاسلامي واعتنقه من بعده ابن سينا الذي تتلمذ للفارابي عن طريق مؤلفاته الفلسفية . ( 2 ) ينسب هذا الكلام لأبي يزيد البسطامي . ( 3 ) هذا الكلام للحلّاج . ومثل هذه الأقوال تدل على مذهب وحدة الوجود . ( 4 ) يذكر الغزالي هذا البيت في كتابه « المنقذ من الضلال » في كلامه عن طرق الصوفية . ( 5 ) الشائع في الاستعمال قولهم « حذق في العلوم » لا حذقته العلوم ، كما يذكر هنا ابن طفيل .