ابو بكر بن طفيل

17

حي بن يقظان

نقد فلسفة ابن الصائغ ( ابن باجه ) ، متصوف قائل بالفناء حال الوصول والفناء الصوفي لا يمكن وصفها ، وهي هبة من اللّه في رأي المتصوفة . وانظر إلى قول أبي بكر بن الصائغ « 1 » ، المتصل كلامه في صفة الاتصال ، فإنه يقول : « إذا فهم المعنى المقصود من كتابه ذلك ، ظهر عند ذلك أنه لا يمكن ان يكون معلوم من العلوم المتعاطاة في رتبة ، وحصل متصوره ، يفهم ذلك المعنى في رتبة يرى نفسه فيها مباينا لجميع ما تقدم مع اعتقادات أخر ليست هيولانية ، وهي اجلّ من أن تنسب إلى الحياة الطبيعية ، بل هي أحوال من أحوال السعداء ، منزهة عن تركيب الحياة الطبيعية ، بل هي أحوال من أحوال السعداء ، خليقة ان يقال لها أحوال إلهية يهبها اللّه ، سبحانه وتعالى ، لمن يشاء من عباده . وهذه الرتبة التي أشار إليها أبو بكر ينتهى إليها بطريق العلم النظري والبحث الفكري . ولا شك انه بلغها ولم يتخطاها . حكمة الاشراق ، تختلف عن المذهب الصوفي القائل بالوصول والفناء . ابن سينا نبه على حال الوصول بقوله ان الصوفي الواصل يرى الحق في كل شيء ويعتبر نفسه مرآة للحق . واما الرتبة التي أشرنا إليها نحن اوّلا ، فهي غيرها ، وان كانت إياها بمعنى انه لا ينكشف فيها امر على خلاف ما انكشف في هذه ، وانما تغايرها بزيادة الوضوح ، ومشاهدتها بأمر لا نسميه قوة الاعلى المجاز . إذ لا نجد في الالفاظ الجمهورية « 2 » ، ولا في الاصطلاحات الخاصة ، أسماء تدل على الشيء الذي يشاهد به ذلك النوع من المشاهدة . وهذه الحال التي ذكرناها ، وحركنا سؤالك إلى ذوق منها ، هي من جملة الأحوال التي نبه عليها الشيخ أبو علي ، حيث يقول : « ثم إذا بلغت به الإرادة والرياضة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق لذيذة كأنها بروق تومض اليه ، ثم تخمد عنه ، ثم إنه تكثر عليه هذه الغواشي إذا أمعن في الارتياض ، ثم إنه ليوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض . فكلما لمح شيئا عاد منه إلى جنات القدس ، فيذكر من امره امرا ، فيغشاه غاش ، فيكاد يرى الحق في كل شيء .

--> ( 1 ) أبو بكر بن الصائغ هو ابن باجه . ( 2 ) الالفاظ الجمهورية هي التي يستعملها الجمهور ، عامة الناس ، وهم أيضا يعرفون بالخطابيين .