بهمنيار بن المرزبان

809

التحصيل

تصير تلك المادّة بعد وجود النّفس فيها آلة لها « 1 » ، وإذا كان كذلك لم تكن موجودة في آلتها ، وفي هذا أخذ ما بالقوّة مكان ما بالفعل . وممّا يبيّن « 2 » بسرعة أنّ للنّفس قوّة مفارقة وهي المسمّاة بالعقلية : أنّها تدرك أشياء يمتنع وجودها في الجسم كالضّدّين معا ، وكالنّور والظّلمة معا ، وكالعدم والملكة معا ؛ وأشياء كثيرة من هذا الجنس . ولوجود مثل هذه الأمور في النّفس على الوجه المذكور يمكننا أن نحكم بأنّه لا وجود لشيء من هذه الأشياء في الأجسام . وبالجملة : فالمعقول هو الموجود المجرّد عمّا سواه « 3 » ونحن نعقله على هذا الوجه ونحكم بأنّ كذا مجرّد عن المادّة ، فيجب أن يكون هذا الموجود إمّا في الأعيان وإمّا في العقل ، ولا يكفى وجوده في الأعيان عند إدراكه فيجب أن يكون له وجود مجرد عن المادّة في النّفس ، فلو وجد في قوّة جسمانيّة لم يكن وجوده وجودا عقليّا أو معقوليّا بل متخيّلا ، ومعلوم أنّ الوحدة المطلقة لا يمكن أن تدرك بجسم « 4 » وإلّا لكانت « 5 » لها أجزاء . فإن قيل : أنّ الوحدة قد يعرض أو يحمل على الجسم . كان الجواب أنّ الوحدة المقداريّة لها أقسام بالقوّة ، وأمّا الوحدة المطلقة المشروطة فيها أنّه لا قسم لها لا « 6 » بالقوّة ولا بالفعل ، فإنّها مجرّدة . بل نقول : إنّ كلّ معنى فهو واحد ليس فيه من حيث وحدته شيء غير شيء ، ونحن ندرك تلك المعاني على هذه الصّفة ، فلو كانت تدركها بقوّة جسمانيّة لكان يعرض أن يكون فيها شيء غير شيء [ فما كنّا ندركها ] « 7 »

--> ( 1 ) - ج : فيها آلة وإذا . ( 2 ) - سائر النسخ : تبين . . . ( 3 ) - ف : عما عداه . . . ( 4 ) - ج : ان يدرك الجسم . . . ( 5 ) - سائر النسخ : كانت . . . ( 6 ) - ساقط من سائر النسخ . ( 7 ) - سائر النسخ : غير شيء فما كنا فدركها . . .