أبو نصر الفارابي
مقدمة 73
فصوص الحكمة ( شرح الغازاني وحواشي الداماد )
مسّ باطن المخاطب بباطنه مسّ الخاتم الشمع ويجعله مثل نفسه اتّخذ بين الباطنين سفيرا من الظاهرين ؛ فكلّم بالصوت أو كتب أو أشار ؛ وإذا كان المخاطب روحا لا حجاب بينه وبين الروح اطّلع عليه اطّلاع الشمس على الماء الصافي ؛ فانتقش منه لكنّ المنتقش في الروح من شأنه أن يتشبّح إلى الحسّ الباطن إذا كان قويّا ؛ فينطبع في القوّة المذكورة ؛ فيشاهد ؛ فيكون الموحى إليه يتّصل بالملك بباطنه ويتلقّى وحيه بباطنه . ثمّ يتمثّل للملك صورة محسوسة ولكلامه أصوات مسموعة ؛ فيكون الملك والوحي يتأدّى كلّ منهما إلى قواه المدركة من وجهين ويعرض للقوى الحسّية شبه الدّهش وللموحى إليه شبه الغشى . ثمّ يرى الموحى إليه ويشاهده . [ 54 . ] فصّ لا تظنّ أنّ القلم آلة جمادية أو اللوح بسيط أو الكتابة نقش مرقوم ، بل القلم ملك روحاني واللوح ملك روحاني والكتابة تصوير الحقائق . فالقلم يتلقّى ما في الأمر من المعاني ويستودعه اللوح بالكتابة الروحانية ؛ فينبعث القضاء من القلم والتقدير من اللوح . أمّا القضاء فيشتمل على مضمون أمره الواحد والتقدير يشتمل على مضمون التنزيل بقدر معلوم وفيها يسنح من الإجمال إلى