أبو نصر الفارابي

مقدمة 69

فصوص الحكمة ( شرح الغازاني وحواشي الداماد )

الأشباح في المرايا الصقيلة إذا لم تفسد صقالتها بطبع ولم يعرض بجهة صقالتها عن الجانب الأعلى شغل بما تحتها من الشهوة والغضب والحسّ والتخيّل ؛ فإذا أعرضت عن هذه وتوجّهت تلقاء عالم الأمر لحظت الملكوت الأعلى واتّصلت باللذّة العليا . [ 47 . ] فصّ الروح القدسية لا يشغلها جهة تحته عن جهة فوقه ؛ وأنّه لا يستغرق الحسّ الظاهر حسّها الباطن ؛ وقد يتعدّى تأثيرها عن بدنها إلى أجسام العالم وما فيه ويقبل المعقولات من الروح الملكيّة بلا تعليم من الناس . [ 48 . ] فصّ الأرواح العاميّة الضعيفة إذا مالت إلى الباطن غابت عن الظاهر ؛ وإذا مالت إلى الظاهر غابت عن الباطن ؛ وإذا ركنت إلى مشعر غابت عن الآخر ؛ وإذا جنحت من الباطن إلى قوّة غابت عن أخرى ؛ فلذلك البصر يختلّ بالسمع ، والخوف يشغل عن الشهوة ، والشهوة يشغل عن الغضب ، والفكر يصدّ عن الذكر ، وكذلك التذكّر يصرف عن التفكّر ؛ والروح القدسية لا يشغلها شأن عن شأن .