أبو نصر الفارابي

مقدمة 70

فصوص الحكمة ( شرح الغازاني وحواشي الداماد )

[ 49 . ] فصّ في الحدّ المشترك بين الباطن والظاهر قوّة هي مجمع تأدية الحواسّ وعندها بالحقيقة الإحساس ؛ وعندها ترتسم صور آلة تتحرّك بالعجلة فتبقي الصور المحفوظة فيها وإن زالت حتّى تحسّ كخطّ مستقيم أو كخطّ مستدير من غير أن يكون كذلك إلّا أنّ ذلك لا يطول ثباته فيها . وهذه القوّة أيضا مكان لتقرّر الصور الباطنة فيها عند النوم ؛ فإنّ المدرك بالحقيقة هو ما يتصوّر فيها سواء ورد عليها من خارج أو صدر إليها من داخل ؛ فما تصوّر فيها حصل مشاهدا ؛ فإن امتهنها الحسّ الظاهر تعطّلت عن الباطن وإذا عطّلها الظاهر تمكّن منها الباطن الذي لا يهدأ ؛ فيستثبت فيها مثل ما يحصل في الباطن حتّى يصير مشاهدا كما في النوم . ولربّما جذب الباطن جاذب جدّ في شغله ؛ فاشتدّت حركة الباطن اشتدادا يستولي بسلطانه ؛ فحينئذ لا يخلو من وجهين : إمّا أن يعدّل العقل حركته ويعثاء غليانه وإمّا أن يعجز عنه فيعزب عن جواره ؛ فإن اتّفق من العقل عجز ومن الخيال تسلّط قويّ تمثّل في الخيال قوّة مباشرتها في هذه المرآة ؛ فيتصوّر فيها الصورة المتخيّلة ؛ فتصير مشاهدة كما تعرض لمن يغلب في باطنه استشعار أمر أو تمكّن خوف ؛ فيسمع أصواتا ويبصر أشخاصا .