عبد الرحمن بدوي

26

أرسطو عند العرب

ولو جاز أن تفصم العلاقة لتلاشى وبطل . فكل شئ باعتبار ذاته باطل هالك إلا وجه الحق الأول ، هو الحق لذاته والأشياء الأخرى حقيقة وجودها ، جلّت قدرته . وقوم ظنوا أن هذه الضرورة واجبة في نفسها ولم يميزوا بين الضروري شرطا والضروري حقا ، وقالوا ما هذه حكايته . فقلت لأبى بشر : فإذ « 1 » من الضرورة على ما هي عليها ، فأي موقع للعلة الأولى في أمرها ؟ فقال دوام الحركة . وهذا محال ، فإن موقع الحق الأول هو أن الضرورة من قبله ولا ضرورة لشئ في ذاته . ومما يدل على غفلتهم أنهم يجعلون الضرورة للشئ في ذاته والدوام من غيره ، حتى تكون الضرورة التي في نفسها لا تقتضى الدوام ما لم يمدّ من غيره . والعجب من وجود حركة ليس دوامها مقتضى ضرورتها ، وهي ضرورية لا من جهة مذهبها فتكون حركة توجد من غير علقة بمحركها . بل الحركة : وجودها ، وضرورية وجودها من حين توجد ، ودوام وجودها - كلّه معلق بأسباب الحركة ؛ واللّه تعالى نرفعه عن أن نجعله سببا للحركة فقط ، بل هو مفيد وجود كلّ جوهر يمكن أن يتحرك فعلا عن حركة السماء . فهو الأول ، وهو الحق ، وهو مبدأ ذات كل جوهر ، وبه يجب كلّ شئ سواه ، وتأتيه الضرورة عند النسبة التي يجب أن يقع بينه وبينه . قال ثم يقول : « فإذن بمبدإ مثل هذا علّقت السماء » ، يعنى فإذن بأول ومبدأ مثل هذا واحد بسيط معقول الذات بذاته ، عقله غيره أو لم يعقله ، خير محض ، معشوق للكل من حيث لا تشعر به ، منبجس عنه الضرورة إلى الأشياء حتى تكون للموجودات ضرورة من قبله ومن قبل سلطانه الذي لا سلطان للعدم المطلق [ 140 ا ] من الأشياء معه ، بل إما أن يمنع العدم أصلا أولا وأخيرا ، وإما أن تعرض منه قوة على الوجود المتيسر عند الاستعداد بحسب قبول المنفعلات ، - فبمبدإ مثل هذا علّق هذا الكل . ويعنى بالتعليق قوام الذات به وتجزؤه به لا بحركتها ، فإن ذلك أمر خسيس . فإنه وإن كان ذلك أيضا . منه فلا يحسن أن يقتصر عليه كما يفعله هؤلاء المفسرون . ومما يحسن ثامسطيوس « 2 » فيه أنه يصرح بأن المبدأ الأول يعقل ذاته ، ثم من ذاته يعقل كل شئ ، فهو يعقل العالم العقلي دفعة من غير حاجة إلى انتقال وتردد من معقول إلى

--> ( 1 ) أي إذا كانت الضرورة كما بيّنا . . ( 2 ) راجع قبل ص 20 .