عبد الرحمن بدوي
27
أرسطو عند العرب
معقول ، وأنه ليس يعقل الأشياء على أنها أمور خارجة عنه يعقلها منها كحالنا عند المحسوسات ، بل يعقلها في ذاته : فإنه لا يجب أن يكون كونه عقلا بسبب وجود الأشياء المعقولة حتى يكون وجودها جعله عقلا ؛ بل الأمر بالعكس . ويقول : إن كان للأول شئ يكمله ، فليس بذلك الشرف سواء كان معقوله واحدا أو كثيرا . قال أرسطوطاليس : والطبيعة لنا كحال صالحة ؛ وما بعده يشير بهذا إلى أن مثل هذا المبدأ الذي يعقل ذاته ويعقل كمال حقيقته وشرفها فهو مغتبط بذاته ملتذّ بها وإن جل عن أن تنسب إليه اللذة الانفعالية ، بل يجب أن تسمى بهجة أو شيئا آخر . فإنه لا محالة له بها ذاته ، وعلاء ذاته ، وهو مدرك لها وليس المعنى الذي يسمى في المحسوسات لذة إلا نفس الشعور بالملائم والكمال « 1 » الواصل من حيث يشعر به ومن حيث هو كذلك . فكيف الإدراك الأوّلى للكمال الخفي بالغاية ؟ وكيف ونحن نلتذ بإدراك الحق ونحن مصروفون عنه مردّدون في قضاء حاجات خارجة عما يناسب حقيقتنا التي بها نحن ناس ! فنقول : إنا نحن مع ضعف تصورنا للمعقولات القوية وانغماسنا في الطبيعة البدنية قد نتوصل على سبيل الاختلاس ، فيظهر لنا اتصال بالحق الأول ، فتكون كسعادة عجيبة في زمان قليل جدا . وهذه الحال له أبدا ؛ وهو لنا غير ممكن ، لأننا بدنيون ، ولا يمكننا أن نشيم تلك البارقة الإلهية إلا خطفة وخلسة . ثم قال : « فإن كان الإله أبدا كحالنا في وقت ما فذلك عجيب ، وإن كان أكبر فأكثر عجبا فله « 2 » ذلك » . كأنه يقول : لو لم يكن للأول من الاغتباط بذاته إلا القدر الذي لنا في الاغتباط به حين ننقطع بكنه الالتفات العقلي إلى جبروته رافضين للمعشوقات الطبيعية ، ناظرين إلى الحق من حيث هو حق ، منقطعين إليه عن الباطل من حيث هو باطل ، فنغتبط به وبذواتنا من حيث نتصل به ، ثم دام ذلك القدر سرمدا - فذلك عجيب عظيم جدا ؛ وإن كان أكثر من ذلك سرمدا أو غير مقيس إليه - فذلك أعجب وأعظم . فإن اللذة فعل لذلك ، أي كونه بالفعل ليس انفعالا ، وإنما هو كمال إدراك وكونه « 3 » بالفعل للإدراك المخصوص بالملائم . ولهذه العلة نلتذ بالتيقظ ، لأنه إدراك ، وبالخير من حيث يستعمل ولا يعطل ، والفهم والتصور لذيذ لنفسه لأنه حياة تامة ، فإن الحياة كالقوة على هذا ،
--> ( 1 ) ن : الكلام . ( 2 ) إن هذا من شأنه لأنه إله . ( 3 ) أي : واللذة فضلا عن أنها فعل ، فهي إدراك للملائم ، وهذا يزيد في كمالها .