عبد الرحمن بدوي

16

أرسطو عند العرب

جميع الأشياء الباقية كما يقفو إثر ذلك العقل ، أعنى نظام الأشياء الموجودة وترتيبها . فالعلة الأولى تحرك كما يحرك المعشوق . وأول ما يتحرك عنها ويقرب منها ويعشقها ويحرض على التشبه بها السماء الأولى وفلك الكواكب الثابتة إذ « 1 » كان قريبا منها ، قد استفاد من نظامها الذي إياه يعشق على غاية ما يمكن بمنزلة ما يستفيده الفائد « 2 » من مرتبة الملك ، إذ كان يقرب منه لا في الموضع لكن في الطبيعة . ثم تتبع السماء الأولى وحركاتها ، التي بعدها : وهي حركة فلك الكواكب الثابتة وحركات أفلاك الكواكب المتحيرة وسائر الأشياء الباقية التي تقبل الكون والفساد . والحركات كثيرة مختلفة ، ليس الإمكان في جميعها واحدا « 3 » ، لكن الأجسام السماوية كغيرها في المكان فقط . فالذي يحرك الأجسام السماوية هذه الحركة - التي قلنا إنها أول الحركات وأول التغايير - غير متحرك من جميع الجهات وغير مستحيل وغير منتقل ، لا يمكن أن يكون فيه اختلاف لا في الجوهر ولا في شئ من الأشياء . وما لم يتحرك الحركة الأولى فبالحرىّ لا يتحرك واحدة من الحركات الباقية ؛ فالإمكان بعيد منه جدا . فهو إذن موجود ضرورة بهذه الحال . والضرورة فيه أنه لا يمكن أن يكون بخلاف ما هو عليه مطلقا . فبمثل هذه الضرورة « 4 » إذا السماء وطبيعة الكلّ معلّقان . وأما البقاء الذي على غاية الفضيلة ، وهو الذي يتم لنا مدة من الزمان ، فهو لذلك الجوهر الدهر كله . وذلك أن قوامنا نحن لما كان من قوى مختلفة ، منها بكد ما بجد السبيل إلى العلم « 5 » . لأن العقل فينا في أكثر الأمر متشاغل لا فراغ له . على أنه وإن كان كذلك ومختلطا بالبدن فإنه قد يطّرح عنه ، ولو مدة يسيرة ، سائر ما يمنعه [ 208 ب ] من الفهم ؛ ويعقل ذاته من غير مانع ، فيتهيأ له بذلك السبب سرور وفرح دائم لا يحصى . وأما الذي طبيعته لا تخلو طرفة عين من العلم ، فليس اللّذة له مكتسبة ، لكنه هو اللذة وهو أفضل جميع الأشياء . فإن كانت ألذّ من النوم عندنا ، لأن الفعل ألذّ من البطالة ، والحسّ من عدمه ، والعقل من

--> ( 1 ) ن : أو . ( 2 ) فادت له فائدة - حصلت . ( 3 ) ن : واحد . ( 4 ) فوقها تصحيح بقلم مخالف هو : « الصورة » ؛ وقد ترك المصحح الكلمة التي في النص دون أن يشطبها . ( 5 ) في القسم الثاني من الجملة تقديم وتأخير ، أصله : ( ف ) السبيل إلى العلم منها ( أي بواسطتها ) ( هو ) بكد ما بجد .