عبد الرحمن بدوي
17
أرسطو عند العرب
الجهل ، فمبلغ زيادة ذلك العقل في الشرف وفضيلة الرأي لا نهاية له . وذلك أن ما هو بالفعل ألذ « 1 » في جميع الأشياء مما هو بالقوة ، وإليه تبادر الطبيعة . وبهذا السبب صار الرجاء لذيذا جدا لأنه توقع « 2 » لأن يصير ما بالقوة إلى الفعل . فإذا كان الشئ - الذي يوجد فيه ما بالفعل مع ما بالقوة - اللذة فيما هو بالفعل أكثر ، فالذي طبيعته فعل فقط - خارجة أصلا عما بالقوة - أىّ نسبة توجد له إلى السرور الذي يسرّه اللّه إذا هو فعل أفعاله وعقل ذاته ! فبيّن أن العقل في سرور وفرح أكثر كثيرا من الحواس بمدركاتها ، إذا عقل ما هو أفضل من جميع المعقولات . وأفضل جميع المعقولات ما عقل ذاته ووجوده ، ولم يعقله غيره أو يمنعه شئ أو يقطعه . وأول ما يعقله ، ذاته ثم شئ آخر . لأنه لو لم يكن كذلك « 3 » ، لم يكن في طبيعته معقولا . وكما أنه العقل على غاية الحقيقة كذلك أيضا هو المعقول على غاية الحقيقة : فهو عقل ومعقول معا . وليس كما أن الحس ليس هو المحسوس بعينه إذا انطبقت فيه صورته وبقي جوهره خارجا « 4 » ، كذلك أيضا حال العقل عند المعقولات التي هي له من ذاتها ، لكنه يحمل جميع الصور من غير أن يبقى منها خارجا « 5 » عنه جوهر تشوبه الهيولى ؛ وليس هو بمنزلة العقل منا الذي ينتقل في وقت بعد وقت من شئ إلى شئ ، ويعقل الآن ما لم يكن يعقله قبل ذلك لكثرة ما يختلط به مما بالقوة . لكنه يعقل المعقولات التي هي موجودة فيه ليس على جهات الانتقال ، لكنه يعقل جميعا « 6 » بغتة في دفعة واحدة . وذلك أنه يعقل جميع الأشياء الموجودة على ما هي عليه موجودة ، وكما جعلها عليه موجودة ، وجميع الأشياء موجودة معا . فيجب إذن أن يكون تعقل جميعها معا . وإن كان الشئ الذي هو في غاية اللذة وغاية الفضيلة إنما هو فينا بالعلم ، فكم بالحرىّ هو كذلك في العلة الأولى ! وذلك أنها ترى ذاتها في غاية الفضيلة وتعقل ذاتها من غير أن تحتاج في ذلك إلى طبيعة من خارج . لكن الذي تطلبه هو فيه ، فإن كان ما هو للّه دائما بمنزلة ما هو لنا
--> ( 1 ) ن : الذي . ( 2 ) ن : يتوقع . ( 3 ) في الهامش : كذاك . ( 4 ) ن : خارج . ( 5 ) ن : خارج . ( 6 ) الأوضح أن يقال : جميعها ؛ قارن س 17 ؛ والمعنى يستقيم عليه أيضا .