عبد الرحمن بدوي

330

أرسطو عند العرب

كما أنا إذا قلنا : هذه الخشبة ليست بمستقيمة ، فإنما نوقع ، « ليست » على الخشية بعينها ؛ كذلك أيضا إذا قلنا : إن هذه الخشبة هي مستقيمة ، فإنما نوقع هذه اللفظة ، أعنى : « هي » ، على الخشبة ، إذ كان ليس يمكن أن نفرد شيئا من الأعراض عن الجوهر في الوهم ، فضلا عن العيان ، كما يمكنّا أن نفرد الجوهر عن جميع الأجناس الباقية ، لأن الجوهر المحسوس قد يمكن فيه ، في حال من الأحوال ، أن يتعرّى عن الأعراض . لكن إن الجوهر الواحد بعينه يوجد ثانيا ولا تثبت فيه الأعراض بأعيانها ، لكن تتبدل وتتعاقب ، فبعضها يحدث ، وبعضها يبطل ، مثل المقادير والحالات والانفعال [ والانفعال ] والأماكن والأزمنة وسائر ما أشبه ذلك من الأجناس . ومبدأ جميع هذه الأجناس وركنها وأسّها هو الجوهر . وقد يشهد القدماء على صحة قولنا هذا ؛ وذلك أنهم لما قصدوا لطلب مبادئ الأشياء الموجودة وأسبابها وأركانها « 1 » ، قصدوا بالطلب لمبادئ الجوهر وأوائله ، ولم يقصد قصد مبادئ الأحوال أو مبادئ المقادير أو مبادئ غير ذلك مما أشبهه . فقد بان من هذا الموضع الفرق بين البحثين : أعنى البحث عن أجناس الأشياء الموجودة : كم هي ؛ والبحث عن مبادئ الأشياء الموجودة : كم هي . لأن المبادي إنما هي للجوهر فقط ، وكل واحد من الجواهر إنما يطلب مبدؤه على أنه واحد بالعدد . وأما الأجناس فإنما قامت في الوهم من تحصيل ما اجتمع فيه من أشياء مفردة ، كل واحد منها مثل الآخر . إلا أن الناس اليوم لاستعمالهم الرياضة بالمنطق يجعلون ( الأمور العامّية مبادئ ) « 2 » الأشياء المفردة . وذلك أنهم يجعلون الإنسان الكلى مبدأ لسقراط وأفلاطون ، والفرس العامّى « 3 » مبدأ لهذا الفرس وذلك الفرس . فأما من كان قبل ، فكان يتبع الحواس ، لأن الفلسفة في زمانهم كانت قريبة العهد بالوجود ، فكانوا يجعلون الأشياء المفردة أولى بمبادىء الجوهر ؛ ولما جعلوا النار والأرض والماء والهواء مبادئ الجوهر ، لم يجعلوا النار العامّية ولا الأرض العامية ، ولا الباقيين « 4 » العامّيين أركان الأشياء الموجودة ، بل لم يجعلوا الجسم العامي هو الركن ، لكن هذه النار وهذه الأرض ، وهذا الماء ، وهذا الهواء . وقد قدمنا النظر في أمر هؤلاء : أىّ « 5 » الفريقين

--> ( 1 ) ركن - عنصر ، اسطقس . ( 2 ) لزيادة عن الترجمة اللاتينية ( ص 2 س 37 - 28 ، نشرة لانداور ، برلين 1903 ) . وقوله الرياضة بالمنطق معناه : ممارستهم وأبحاثهم بطريقة منطقية في مقابل الطريقة الطبيعية . ( 3 ) العامي - الكلى . ( 4 ) أي الماء والهواء . ( 5 ) ص : أتى .