عبد الرحمن بدوي

331

أرسطو عند العرب

منهم أصوب قولا : الذين يجعلون الأمور ( العامّية أولى بالوجود ، أم الذين يجعلون الأمور ) « 1 » المفردة . وإذا نحن أمعنّا فيما قصدنا له فليس مانع يمنع من البحث عن هذا . وأما الآن فقد اذّكرنا اذّكارا بالغا بأن قد يجب ضرورة على من طلب مبادئ الأشياء الموجودة أن يطلب مبادئ الجوهر . والجواهر كلها بالجملة ثلاثة . إلا أن اثنين منها يتفق عليهما جميع الناس وذلك أنهما محسوسان واقعان تحت حس البصر : أحدهما دائم البقاء على حالة واحدة ؛ والآخر يتغير . أما ( الأول فهو ) القابل لجوهر الأجسام السماوية ؛ وأما القابل للفساد فهو جوهر ما يلي الأرض من النبات والحيوان . وهذا الجوهر خاصة هو الجوهر الذي كانت عناصره وأركانه تطلب بالأقاويل الأول ، وأمره بيّن : أهو مركب من أشياء كثيرة ، أعنى من الأرض والنار وسائر الأربعة ، أو من أشياء أخر هي البسيط من هذه وأقل عددا ، أو من شئ واحد [ 38 ب ] على أقل الأمور ، تنتشر مرة فترقّ ، وتنقبض أخرى فتكتنز . فهذان جوهران من الجواهر الثلاثة التي لا يخرج عنه بها شئ « 2 » من الجواهر . فأما الجوهر الثالث فجوهر غير متحرك أزلي أبدى ، لا يقبل شيئا من التغيّر : لا مما تقبله الأجسام التي هي الأرض من النبات والحيوان حتى تخرج من طبائعها أصلا إلى أن تفسد ؛ ولا التغيّر الذي يكون ( في ) « 3 » المكان وهو الذي فيه وحده تشترك هذه الأجسام تلك الأجسام السماوية . وذلك أن جوهر الأجسام السماوية جعل ممتنعا أن يكون في الأوقات المختلفة وفي أحوال مختلفة ، ولم يمتنع أن يكون في الأوقات المختلفة في مواضع مختلفة . وعلى هذا مبنى أمر طبيعته . وأما الجوهر الذي ليس بمتحرك ولا يشوبه شئ من الجسما ( نية ) فهو الخارج عن كل تغيّر . ولذلك نقول في هذا الجوهر إنه مفرد عن الجوهر المحسوس ، وليس يزعم أنه مفرد عنه في المكان . وذلك أنه من المحال أن نفرد في المكان الجوهر الذي لامكان له أصلا ولا تحويه نهايات الجسم كما تحوى سائر الأشياء التي هي في المكان . لكنا إذا قلنا إن

--> ( 1 ) عن هامش الأصل . ( 2 ) في الأصل خرم ، والتصحيح عن الترجمتين العبرية واللاتينية : praeter quas nulla substa - ntia exist t . ( 3 ) خرم .