عبد الرحمن بدوي
320
أرسطو عند العرب
من ضروب الشكل الثالث ، وهذا غير ممكن البتة في شكل آخر غيره ، أعنى أن تكون المقدمتان كليتين ولا تكون النتيجة كلية . فإن الشكل الثاني إذا كان الاقتران المنتج فيه مقدمتين كليتين ، كانت النتيجة لا محالة كلية . والسبب في ذلك أن السالبة الكلية التي تنعكس كلية هي التي تنعكس فيه ، ولذلك تكون النتيجة كلية . فأما في هذا الشكل فإن المقدمات التي تنعكس إنما هي الموجبات التي إنما تنعكس جزئيات ؛ وليس بعجب أن تنتج عن مقدمتين كليتين نتيجة جزئية على هذه الجهة ، وذلك أنهما لا يلبثان كلتاهما كليتين إذا انتقلا إلى صورة القياس . فمن الاضطرار أن تكون النتيجة جزئية متى كانت إحدى المقدمتين جزئية ، وإلا فلو كان في تأليف الحدين مع الحد الأوسط هذا التأليف ضرورة ما ، لما كانت النتيجة تكون جزئية والمقدمتان كليتان . على أنهما في هذا الموضع ليستا كليتين على الحقيقة ، بل إنما هما كذلك في الظن . وعلى هذا المجرى يجرى القول فيما يتلو هذا الضرب من الضروب . فإن ملاك أمرها إنما هو من الانعكاس أو بالصرف إلى الامتناع : وعلى ( كل ) حال ( ف ) إن ملنا إلى هذا الطريق ميلا كبيرا وتبين لنا أنه أجود من التحليل فلسنا نبرّئ أرسطوطاليس منه ، إذ [ 122 ا ] كان تبين من أمره بالصحة لا بالتوهم أنه أعلم الناس به . وذلك أنه في أكثر الاقترانات بعد أن يحللها إلى الشكل الأول يقول مصرحا : وقد يمكن أن يجعل البرهان أيضا بالصرف إلى الامتناع وبالافتراض . لكن الأولى بنا أن نطلب السبب الذي له آثر التحليل عليه . فنقول : أما أولا ، فلأن التحليل يكون بالأشياء التي هي أبين كالحال في كل علم يقيني ، وبعد ذلك ، ولأن الافتراض والاستقراء إنما هما في الجزئيات ، وهما إلى الحواس أقرب منهما إلى القياس . فيجب أن نبحث : كيف يقال في هذه الأشكال إنها تتحلل وهي ثابتة صحيحة بنفسها ، أو كيف ينبغي أن يسمى هذا الطريق تحليلا ؟ وذلك أن القياسات المركبة قد تنحل إلى القياسات البسيطة ، والبسيطة إن كانت كاملة من ذاتها لا تحتاج إلى برهان ، فليس من الصواب أن يقال فيها إنها تتحلل ، إذ كان لا يتحلل شئ من الأشياء إلى نفسه ، بل إلى غيره . فلذلك لسنا نجد أحدا « 1 » يقول في الضروب البسيطة التي في الشكل الأول إنها تنحل إلى نفسها ، إذ كان صدقها وبيانها
--> ( 1 ) ص : حدا .