عبد الرحمن بدوي

313

أرسطو عند العرب

تتبين فنون الصناعة وسهولة مأخذ الاستخراج ، وذلك أنه تبين لنا في موضع أن نقصد قصد المنفعة في عدة طرق ومن عدة أسباب . فإن الطبيعة لم تجعل إحدى العينين عبثا إذ كانت الأخرى قد تفي بما يحتاج إليه من البصر وحدها ، ولا الصيادون أيضا يعبثون إذ يصفّفون شبا كافى ناحية ويطعمون الكلاب في أخرى وينصبون الفخاخ ، وإن كانوا إنما يستفيدون في هذه الأشياء كلها فعلا واحدا : وهو صيد ما يظهر لهم من الوحش ؛ لكن متى سألهم سائل لم لا تستعدون بالشباك وحدها فتكتفون بها - قالوا : إن الصيد يسهل بكثرة الآلات . فإن هذا هكذا . فليس ينبغي لنا نحن أن نمتعض من أن تكون لنا طرق كثيرة يستخرج بها الحقّ . وإلّا ، فلم لا يقتصر في كل واحد من الآراء على قياس واحد كالرأى في بقاء النفس ؟ ! وذلك أنه إن كان القياس الذي في ( « 1 » ) قد تبين كافيا ، والقياس الذي سئل عنه في « السياسة » عبثا « 2 » لأنه ليس أحدهما من الأقاويل الواقعة في الظن والآخر من الأقاويل العلمية - لكن كليهما قد يريان من الأشياء اللازمة بذاتها على مثال واحد ، إلا أن أحدهما على حال يرتقى إلى الشكل الأول ، والآخر إلى الثاني . ولا أقدر أيضا أن أعلم لم ينفكان من ألا تحتاج إليهما ، ( و ) متى لم يكونا محتاجين إلى الشكل الأول كانا بذاتهما بمنزلة الأصول [ 120 ب ] . ولو كان هذا هكذا ، لما أمكن أن تكون الأشياء التي يمكن فيها أن تنتج بالشكل الثاني تنتج في الشكل الأول . وذلك أن الأمر على ما قلت أولا أنه ليس يمكن بجهة من الجهات أن نبين أن الشكل الثاني والثالث غير مشاركين الأول إن سلّم « 3 » انعكاس المقدمات . فأما متى سلمناه فليس يمكنّا أن نعوقهما منه أو نبين أنهما غير مخالطين له . وإن لم يمكنا أن نستخرج جميع ما في الشكل الثاني والثالث بانعكاس ، فليس ذلك بعجب . وذلك أنّا لا نحن نقول ، ولا الإسكندر ، أن كل واحد من القياسات التي في الشكل الأول مولد لكل واحد من القياسات التي في الشكل الثاني والثالث . لكنا نقول إن الشكل ( الأول ) مولد للشكلين ؛ لأن أرسطوطاليس لم يقل في موضع من المواضع البتة إن الشكلين يتولدان من

--> ( 1 ) ينقص شئ مثل : النفس أو المنطق أو الطبيعيات أو التعليميات الخ . ( 2 ) ص : عبث . وفوقها : باطل ( 3 ) ص : سعل .