عبد الرحمن بدوي
271
أرسطو عند العرب
الأشياء التي العقل فيها موجود بالفعل - وهذه حال العقل الإلهى - فإن العاقل والمعقول هما دائما معا بمنزلة شئ واحد . وإن كان العقل الذي بالفعل هو المعقول بعينه ، والعقل الإلهى هو موجود بهذه الحال دائما فإما أن العقل الذي بالفعل هو المعقول شئ واحد بعينه ، ولذلك صار يعقل نفسه ، فذلك شئ يعم كل عقل بمنزلة الهيولى ولا سيما العقل الإلهى فإنه في حال ما هو معقول على الحقيقة هو عاقل على الحقيقة ، والمعقول بالحقيقة هو الجوهر البسيط المجرّد من الهيولى . وهذه حال العقل الإلهى : إذ كان هو الصورة المفارقة للمادة . ولما كان عقلا بالحقيقة ومعقولا بالحقيقة ، وجب من ذلك أن يكون عاقلا لذاته ومعقولا لها . وكل ما ما وصف من الأشياء بأنه عقل بالحقيقة فإنه عند ذلك صيّر هو نفسه معقولا بالحقيقة . وذلك أن كل واحد من هذين لما كان في طبعه [ 111 ب ] الخاص موجودا بالفعل محضا ، صار له بالواجب في نفس طبعه أن يكون إنما يعقل ذاته فقط من ( حيث « 1 » كونه ) بالفعل ليس يفعل شيئا من الأشياء التي ليست بطبعها الخاص بها معقولة ، لأن الشئ الأفضل هو واحد منهما والشئ الذي هو عاقل بذاته فقط هو الصورة المجردة من المادة ، أعنى العقل الإلهى . وذلك أنه قبيح بنا أن نقول في العقل الإلهى الذي هو أشرف من جميع الموجودات إنه يعقل أىّ شئ اتفق بأي الأحوال كان . كما أنه قبيح بنا أن نقول فيه أيضا إنه لا يعقل بعض الأشياء ولا يعلمها . وذلك أن بعض الأشياء ليس إنما لا يليق به أن لا يعقله بل أن لا يراه أيضا . وذلك أنه إن كان الذي يعقل شيئا واحدا بعينه فكيف لا يكون قبيحا أن نقول في العقل الإلهى والجوهر الإلهى الذي هو أشرف من جميع الأشياء إنه يتشبه بالأشياء الخسيسة ! فيجب إذن أن يكون إنما يتصور بالعقل وذلك الشئ الإلهى الذي هو أفضل من جميع الموجودات من غير أن ينتقل في حال من الأحوال إلى تصور شئ سواه وذلك أنه متى انتقل عنه إلى غيره لزم أن يكون انتقاله إلى الشئ الآخر « 2 » ، كما قلنا آنفا ، وأن يكون انتقاله أيضا مع حركة ما ، بل لا يكون حينئذ موجودا بالفعل على الإطلاق بحسب ما تقدم من القول ؛ ومع هذا أيضا فإنه يلزم متى كان يتصور بالعقل شيئا آخر غيره أن يكون مشاركا لما بالقوة . وذلك أن التغير ( الذي ) يحدث له بانتقاله من الأشياء
--> ( 1 ) خرم . ( 2 ) فوقها : الأخس .