عبد الرحمن بدوي

270

أرسطو عند العرب

والعقل شيئا واحدا بعينه . فالصورة « 1 » المفارقة للمادة والقوة مفارقة تامة إذ كانت معقولة بطبيعتها الخاصّ بها ، فهي لذلك موجودة دائما بالفعل فليوصف بأنها عقل في ذاتها لا من قبل أن شيئا آخر سواها يعقلها « 2 » ، لكن من قبل أن لها بذاتها أن تكون عقلا بالفعل . ولأن العقل الذي هو بالفعل إنما يكون كذلك من جهة ما يعقل . فلتكن الصورة التي تجرى هذا المجرى ، وهي دائما بالفعل ، هو العقل . ولما كانت الجواهر الفاضلة إنما توجد في الأشياء الفاضلة فلينزل أن فعل هذا العقل أعنى تصوره بالعقل إنما هو للشئ الذي هو أفضل من جميع الموجودات . والعقل الأول أفضل من جميع الأشياء الموجودة . فيجب إذن - لأنه يعقل ذاته - أن يكون معقوله أفضل من جميع الموجودات ، وذاك أنه انتقل إلى معقول غير ذاته - لزم من ذلك أمر شنع : وهو أن انتقاله يكون مع حركة ما . وليس الشئ الذي يتصور بالعقل أشياء كثيرة هو الفاضل ، لكن الذي يتصور بالعقل أشياء فاضلة تصورا متصلا هو كذلك . فيجب إذن أن يكون العقل إنما يعقل دائما ذاته ، وذلك على هذه الجهة يكون بسيطا غير متحرك باقيا على حال واحدة الزمان كلّه . والعقل الأفضل إنما هو للشئ الأفضل الذي فعله جار على الاتصال . فالعقل إذن الذي هو بالفعل وعلى الإطلاق معقول هو واحد بعينه في العدد ، إذ كان الأولى والأوجب في فعل ذلك الشئ الذي هو أفضل الأشياء وأشرفها كلها أن يكون عقلا مجردا من القوة والحركة أصلا ، وأن يكون في الشئ الذي هو أفضل من جميع الموجودات ، وذلك أن التصور بالعقل على التحقيق والانفراد والتجزئة والتحديد هو - كما قال أرسطوطالس - أولى بأن يكون لذلك الشئ الذي هو فاضل في نفسه . فإن الشئ الأفضل أولى بأن يكون للشئ الأفضل من قبل أن الأشياء التي فيها العقل والمعقول موجودان بالقوة متى أخذ كلّ واحد منهما على أنه بالقوة دون الفعل ، فإنهما يكونان مختلفين مباينا أحدهما الآخر ، أعنى العقل والمعقول . وإذا انتقل كل واحد منهما من القوة إلى الفعل صارا جميعا شيئا واحدا من قبل التشابه الذي بينهما . لأنهما يكونان بالعقل الشئ المعقول بعينه ، إذ كان العقل إنما هو صورة الشئ المعقول مجردا من الهيولى بعينها . وفي هذه الحال يكون العقل والمعقول شيئا واحدا بعينه من قبل أنه إذا عقل تشبه بالشيء المعقول . فأما

--> ( 1 ) كذا في هامش الأصل : فإنه صورة . . . لكل مادة و . . . ( 2 ) فوقها : تصورها .