عبد الرحمن بدوي
263
أرسطو عند العرب
أيضا أزلي إذ كان فعلا ما مجردا من القوة . وذلك أنه إن كانت الجواهر أقدم من جميع الموجودات وكان جميع الموجودات المتكونة فاسدة ومتى كان جميعها فاسدا وجب لذلك أن تكون الحركة أيضا كائنة فاسدة ، وذلك ما لا يمكن . وذاك أنه يجب من الاضطرار في الحركة أن تكون أزلية ، لأنه إن أنزل منزل أن الحركة متكونة ولأن الحركة هي استحالة المتحرك بما هو متحرك - فإني أقول : إن هذا المتحرك إما أن يكون كان أزليا ثم ابتدأ في هذا الوقت بالحركة بعد أن قد كان قبل ذلك غير متحرك ، وإما لأنه لم يكن كان موجودا في بدء الأمر بعد ذلك ، ولذلك كان غير متحرك . وأي هذين أنزله منزل فإنه يلزم أن تكون الحركة موجودة قبل كون الحركة ، وهو أمر متى كان غير ممكن كان الأصل الموضوع له الذي لزمه عنه أيضا ذلك غير ممكن : وهو أن الحركة غير متكونة . وذلك أنه إن كان المتحرك متكونا ، فظاهر أنه قد تقدم كونه . وعلى هذا الوجه تكون الحركة متكونة لأن كل تكوّن إنما يكون بحركة ، ويلزم من ذلك أن تكون الحركة قد كانت موجودة قبل أن تكون موجودة ، وأن يكون الأمر المزمع بالابتداء بالحركة محتاجا إلى الحركة . فإن قال قائل : إن المتحرك أزلي ، إلا أنه قد كان أولا زمانا بلا نهاية غير متحرك ثم ابتدأ بالحركة الآن - كان قوله ذلك أولا يجرى مجرى الأقاويل المبتدعة التي لا محصول لها ولا فائدة فيها . وذلك أنه : كيف يتهيأ لأحد أن يؤدى السبب الواجب في أنه إنما ابتدأ الآن بالحركة بعد أن كان ساكنا زمانا غير متناه ؟ فإن القول بأنه قد كان المتحرك موجودا ، إلا أنه مكث زمانا غير متناه لم يتحرك - مما لا وجه له « 1 » ، لأنه إن كان فيما تقدم غير متحرك ، وإنما ابتدأ بالحركة في هذا الوقت ، فقد ينبغي أن يكون المحرك له إما كان فيما تقدم غير موجود ثم وجد في هذا الوقت ، أو تكون النسبة التي له بإضافته إلى المتحرك لم تكن كانت موجودة له وإنما صارت له في هذا الوقت . فإنه متى أنزل منزل واحد من هذه الأشياء فقد استعمل « 2 » الحركة في طريقه . وذاك أنه إن كان موجودا إلا أنه بعد غير متحرك فإنه يحتاج الآن في آن ( كونه ) متحركا إلى حركة أيضا ؛ ويلزم أيضا على هذا الوجه أن تكون الحركة موجودة قبل تكونها ، وذاك
--> ( 1 ) فوقها : يعبأ به . ( 2 ) فوقها : حد .