عبد الرحمن بدوي
64
أرسطو عند العرب
داع بدعوة وحامل يحمله وأمر خارج عن وجوده الأحسن به أن يكون موجودا ، بل وجود كل شئ عنه كذلك وتعقل ذاته الذات التي بها يمكن وجود كل شئ ويجب تعقله لها ، وإن ذاته الذات الذي يلزم عنها الممكنات عنها لأنه يعقلها ، وبهذا يتم كون العناية عناية ويكون للذات تقدم على وجوب الأشياء . وإنما يكون بالقياس إليها إمكان الأشياء عنها ولا يكون وجوبها مع وجوبه بلا توسط وجوب صفاته التي له في ذاته . وأما الإبداع فأن يكون للشئ وجود عن الأول وحده ، فلا يكون كان الأول وشئ آخر من أسباب الشئ وشرائطه ، ثم وجد الشئ . وكذلك إن قال قائل كان الأول وإمكان وجود ذلك الشئ في نفسه ، فقد قدم عليه اثنين ؛ فإن قال كان الأول ولم يكن معه إمكان وجود ذلك الشئ في نفسه فكان ذلك الشئ ليس ممكن الوجود في نفسه ، وما ليس ممكن الوجود في نفسه موجوده إما واجب لا علة له ، [ 145 ب ] وإما ممتنع لا علة له أيضا ، ولا يصح أن يقال : إن إمكان وجوده هو حال العلة من حيث يصح عنها وجوده ، فإن ذلك قد بيّن خطؤه في الكتب . فالإبداع الحق أن لا يتمكن إمكان وجود الشئ أن يتقدمه مجاورا لعدمه تقدما بقبلية لا تصطحب هي وبعديتها معا . إذ عرفت أن القبليات منها ما يصاحب البعديات ، ومنها ما لا يصاحبها . فيجب إذن أن يكون التقدم في الإبداع إن كان الإبداع وجود الشئ عن المبدأ وحده فقط بلا توسط سبب ؛ وشرط آخر هو تقدم ذات المبدع تقدما ذاتيا ليس بقبلية منافية للبعدية ، وهي القبلية الزمانية التي تصاحب الإمكان وكل شئ إليه مرجعه ، أي إنما يطلب الاستكمال من قبيله ويستكمل بالتشبه به . فصل : قال يجب أن يترك « 1 » أن العالم بأسرها مدينة دبرها الشريعة الفاضلة ، فجعلت لها أخرى منظومة بعضها مع بعض سابقة بعضها لبعض إلى نظام كلى وخير كلى ، وهو واحد في الأصل ويتشعب في الفروع ؛ كذلك السماوات من جملة أخرى مدينة التدبير الأول المتوسطة بين مبدأ التدبير وبين منتهاه ؛ يفيض عنها التدبير بحسب العناية وتتحرك للطاعة الأولى والتشبه بالمعقول المحض على ما عرف ، فيتبعه نظام أو خير فيما دونه وإن لم يقصده بذاته لأجله ، بل المقصود غيره . وليس إنما يؤثر في عالم الكون والفساد بحركاته
--> ( 1 ) كذا في الأصل ولعله : يدرك ، واشتبه على السامع حرف الدال فكتب يترك .