عبد الرحمن بدوي
63
أرسطو عند العرب
تأثير ، وإن كان إنما يتبع وجود الأشياء بعقله لزومها [ 145 ا ] إياه ، فيكون إنما وجبت بتعقله لها ، وتعقله لها ليس في مرتبة تعقله لذاته بل تابع لتعقل ذاته فيكون لذاته اعتبارها مع ذاته ، ولذلك قبلية ذاتية على تعقله أو معية اعتبار ما لم يجب بل إنما يجب بتوسط أن يعقلها وإذا كان كذلك فتكون باعتبارها في درجة تعقله لها ممكنة أن تكون عنه . فتعقلها إذن ممكن عن ذاته ، لا واجب عن ذاته . فما ذا يجب إذن ؟ فإنه إن عقلها واجبة كان عقله لها موافيا لوجوب لها عنه في أنفسها ، صادفه العقل . وكذلك فيكون لزومها عنه ليس بتوسط عقله لها بل معه أو قبله ، فلا يكون إنما وجدت لأنه عقلها ، ولا يكون إنما صلحت وانتظمت أحسن الانتظام لأنه عقل أن النظام الخيري ذلك ، بل وجبت كذلك بتعقلها « 1 » كذلك . فتكون إذن ذاته إما جلابة للأشياء إلى الوجود لا من حيث تعقلها بل من حيث ذاته ، وإما أن تقول إنه يقصدها وينظمها . فإذا قلت يقصدها وينظمها ، فقد قلت عليها مرة أخرى إنه يعقلها ، لأن قصد مثله لا يجوز أن يكون إلا عقليا . فبقى أن ذاته جلابة للأشياء إلى النظام ، ليس إنما عقلها على مراتبها وعلى الأصلح لها فتبع عقل ذلك نظامها ، بل وجب عن ذاته نظامها فعقلها على نظامها . ويرتفع الشئ الذي تسميه أنت عناية وهو تعقل الأول للمصلحة والصواب . فيكون كون الأشياء من الأول صرف انبجاس لا يتعلق بتعقله لها ، وإن كان قد يصحبه تعقله لها . فنقول إن الأول تعقّل الأشياء ممكنة عنه في حد تعقلها الأول ، وعقله لها ممكن يتبعه لزومها لوجوده فتصير بأن تعقلها واجبة عنه . فهي مع عقله لها في الترتيب الذاتي ممكنة ، وبعد عقله لها بالترتيب الذاتي واجبة . ثم يعقل وجوبها عنه بأحوال لها : بعضها واجبة لازمة لما يوجد عنها ، وبعضها غير واجبة بل ممكنة . وتعقل الأصلح لها من وجوه إمكانها ، فيصير الأصلح من الممكنات لها بعد أن عقلت أصلح واجبا ، وهو العناية ، وهو العقل الأصلح ما يكون . وإن وجودها منه لكمال وجوده والزائد على الكمال ؛ وإنها إنما تلزم عنه لأنه على أفضل أنحاء الوجود فيصير كالمقصود بالعرض . وأما الحق فغنىّ بذاته عن كل طلب وقصد جميل أو غير جميل . فإن الجميل لا يكون علة داعية له إلى شئ وإلا حمل به إن تحبّب ؛ وإن كان سواء فلا داعى ؛ هذا بيّن عند العقول الصحيحة . وقد جل الأول عن
--> ( 1 ) ن : تعقلها .