عبد الرحمن بدوي
49
أرسطو عند العرب
ذلك وبين أنه لا بأس من أن تكون معلومات غير متناهية ، فإن امتناع غير المتناهى إنما يكون في أشياء مخصوصة . [ 1 ] إن السائل سأل فقال : إنك لم تثبت في القضية أن العقل يعقل كل شئ من ذاته ، ولعله يعقل أشياء « 1 » أخرى لا من ذاتها بل من ذات تلك الأشياء ؛ وما المانع ( عن ) « 2 » أن يكون هذا هو العقل أيضا ، وإن لم يكن التقدم والتأخر في ذلك زمانيا ؟ فأجاب « 3 » فقال : إن العقول الفعالة تعقل جميع الأشياء من ذاتها كما تعقل المعلولات « 4 » عن عللها الموجبة لها . فإن الشئ إنما يعقل وجوده من جهة ما يجب وجوده ، إلا وجود المبدأ الأول الحق : فإنه لا يمكن أن تكون العقول الفعالة تعقل ذواتها « 5 » ، فتجب عن عقولها ذواتها وجوب المبدأ الأول ، فإن وجوب المبدأ الأول ليس عن ذواتها بل وجوب ذواتها عنه . بل يجب أن يكون عقلها للمبدإ الأول لها هو « 6 » من جهة تجلى المبدأ الأول لها . فإذا تجلت لها عقلته ، وعقلت ذاتها ، وعقلت كلّ شئ في الدرجات الثالثة . لكن لقائل أن يقول : إن العقل الفعال إذا عقل « 7 » من ذاته أن وجوبه من غيره ، عقل المبدأ الموجب له على سبيل يشبه سبيل الاستدلال ، وهو عكس البرهان ، فجاز من هذه « 8 » السبيل أن يعقل من ذاته المبدأ الأول . فنقول : إنه إن كان كذلك فالتصرف « 9 » الذي استعمله من الحركة صحيح ، لأنه إذا عقل وجود ذاته « 10 » عن غيره ، ووجود ذاته هو عقليته ، فتكون عقليته تلك عن غيره ، فيكون « 11 » نائلا - لكونه عقلا - ذلك العقل عن غيره . وأما وجوده عقلا لشئ بعده فليس يكون إلا عن ذاته ، لأن كونه عقلا لشئ بعده معلول لكونه عقلا لذاته ، لأن عقليته في ذاته علة لعقليته « 12 » في غيره ، إذ ذاته الذي
--> ( 1 ) الأشياء أخرى - وهو تحريف ظاهر ( 2 ) الزيادة عن ت ( 3 ) وقال ( 4 ) من ( 5 ) ذاتها ( 6 ) يكون من . . . ( 7 ) عقلت ( 8 ) هذا ( 9 ) فالبصر ( 10 ) ذواته هو عقليته ( 11 ) الكلمة ممزقة غير مقروءة ( 12 ) العقليته ( 1 ) : « فإن قال قائل : إن العقل إذا لم يرد علم الشئ ولم يلق بصره على شئ ، فلا محالة أنه فارغ خال عن كل شئ . وهذا محال ؛ لأن من شأن العقل أن يعقل دائما ؛ وإن كان يعقل دائما فإنه لا محالة يلقى بصره على الأشياء دائما . فلا يكون هو ما هو بالفعل أبدا . وهذا قبيح جدا . قلنا : العقل هو الأشياء كلها كما قلنا مرارا . فإذا عقل العقل ( في المطبوع : فإذا العقل ) ذاته ، فقد عقل الأشياء كلها . فإن كان هذا هكذا ، قلنا إن العقل إذا رأى ذاته فقد رأى الأشياء كلها ، فيكون هو ما هو بالفعل لأنه إنما يلقى بصره على ذاته لا على غيره فيكون أحاط بجميع الأشياء التي دونه » ( ص 18 س 19 - ص 19 س 7 ) .