عبد الرحمن بدوي
50
أرسطو عند العرب
هو العقلية التي تخصه ، علة لكونه ذا عقل لغيره . فإذا نسب إلى الأول ، جاز أن نقول إنه عقل ذاته فعقل الأوّل . ولم يجز أن يقول إن عقليته في ذاته علّة لعقليته « 1 » الأول التي للأول بل معلولة له إذا كان هذا الوجود العقلي معلولا لذلك الوجود العقلي نائلا عنه . ويشير بالتحرك إلى النائل عن غيره . وأما إذا أضفته إلى ما بعده لم « 2 » يكن الصحيح أحد الوجهين دون الآخر بل كان الوجهان جميعا إنما « 3 » يكون الذي بعد في كونه معقولا له وفي كونه ذا وجود لما عقل فائضا عن العقل ، لا أن العقل ناله من الآخر . وهذا بعد المسامحة في أن يجعل العقل التام عاقلا أولا وجود ذاته ثم منه وجود العقلية الذي للمبدإ الأول ، بل الأوجب أنه يعقل « 4 » ذاته موجودا بعقله لعلته ، فإن ذلك هو وجه التعقل الحقيقي . وإن تعقله لعلته يكون بتجلّ من العلة عليه لا يضيء « 5 » بسبب البتّة إلا من « 6 » العلة ، ليس « 7 » بسبب في ذات العقل المعلول ينال به العلة فيعقله بعد عقل « 8 » ذاته . فإن قال قائل : إنك قد أوردت التعقل لا من حيث ماهية المعقولات مجردة فقط ، بل من حيث وجود ماهيتها ، وأنت تعلم أن ماهياتها من حيث ماهياتها لا تتعلق في أكثر « 9 » الأشياء بعضها ببعض ، إلا أن يكون أحد المعقولين جزءا من معقول ثان هو مركب ، فيكون [ 149 ب ] ماهيته مائية « 10 » ماهيته . وإذا كان كذلك ، لم يكن يعقل الماهيات التي ليست المبادي العقلية بأجزاء لها تابعا بعضها لبعض « 11 » والجواب أن الماهيات لا تعقل عند المبادى من حيث هي مفردة ماهيات « 12 » متمثلة كالصور الأفلاطونية ، بل إنما تعقل « 13 » الماهية الثانية بسبب أنها توجد وتلزم من الماهية الأولى . وأما من حيث لا تلزم فيها ، فلا تعقل تفاريق متكثرة « 14 » لا ينظم « 15 » بينها نظام واحد ولا يقع فيها تقدم وتأخر . فإنه ليس للواحد البسيط نسبة إلى كثرة بوجه من الوجوه يكون « 16 » معا لا ترتيب فيه .
--> ( 1 ) العقليته ( 2 ) ولم ( 3 ) أن ( 4 ) العقل ( 5 ) يضيء : ناقصه ( 6 ) في ( 7 ) ليس : ناقصة ( 8 ) عقله ( 9 ) الأكثر - وهو تحريف ( 10 ) في الأصل مهملة النقط . ( 11 ) بأجزاء تابعا لبعض ( 12 ) منفرد ماهية ( 13 ) عقل الماهيات ( 14 ) منكرة ( 15 ) تنظم ( 16 ) فيكون