عبد الرحمن بدوي
46
أرسطو عند العرب
فيه مصورا بصورة هي محاكية للصورة العقلية الحقة التي في عالم العقل على ما يمكن ، وأن يكون لها ضرب من الحياة كما هناك ، وأن يكون فيها منشأ حياة عقلية كما هناك . [ 1 ] نعم ما حكم بأن جعل مبدأ الحق المعقول والشئ الموجود في المحسوس وهو الموجود الجرمانى ، واحدا وهو الحق الأول ؛ ونعم ما قال : « إن الخير لا يليق بشيء . . . إلا به » لأن الخير في كل شئ هو كونه على أتم أنحاء وجوده الذي يخصه . وكل شئ [ 148 ب ] باعتباره « 1 » في نفسه مقطوعا عنه الاعتبار « 2 » المتعلق بالأمر الإلهى ، مستحق للبطلان وهو غاية الشر ؛ وإنما يأتيه الوجود والخير الذي يخصه ، منه . فكل « 3 » شئ كأنه خلط من شر وخير : فإنه باعتبار نفسه ناقص لا خير له ، وباعتبار الأول مستفيد للخير بحسب منزلته ومرتبته . والأول وجوده وكماله وعلوه وبهاؤه من ذاته لا يشوبه شئ آخر ، وغيره لا يخلو من أحد حالين : إما أن يكون تارة بالقوة على كماله وتارة بالفعل ؛ وإما أن يكون أفضل من هذا ، فلا يكون له الكون بالفعل من ذاته بل من غيره ، فيكون ليس له الكون بالفعل بكل اعتبار ومن كل جهة ، بل إذا اعتبر بذاته لم يكن له الكون بالفعل ، ولا أيضا كان ممتنعا فيكون الذي يلزمه باعتبار ذاته الإمكان ، وهو قوة ما بوجه آخر ، إلا أنه قرن بإمكانه وجوب من غيره . ولا تناقض بين « 4 » كون الشئ ممكنا بحسب ذاته واجبا من غيره « 5 » . وأما الأول فواجب من نفسه ، عزّت قدرته .
--> ( 1 ) باعتبار ( 2 ) والاعتبار ( 3 ) وكل ( 4 ) من ( 5 ) من غير ذاته - في هذا العالم من فعل الباري الخير . فإن الباري لما خلق هذا العالم أرسل إليه النفس وصيرها فيه ، ليكون هذا العالم حيا ذا عقل ، لأنه لم يكن من الواجب ، إذا كان هذا العالم عظيما متقنا في غاية الاتقان ، أن يكون غير ذي عقل . ولم يكن ممكنا أن يكون العالم ذا عقل وليست له نفس . فلهذه العلة أرسل الباري النفس إلى هذا العالم وأسكنها ( في الأصل المطبوع : وأمكنها ) فيه ثم أرسل أنفسنا فسكنت في أبداننا ليكون هذا العالم كاملا » ( ص 11 س 1 وما يليه ) . ( 1 ) : « إن علة الإنّيات الخفية التي لا أجرام لها ، والأشياء الحسية ذوات الأجرام ، واحدة ، وهي الأنية الأولى الحق ، ونعنى بذلك البارئ الخالق عزّ اسمه . ثم قال ( أي أفلاطون ) : إن البارئ الأول الذي هو علة الإنيات العقلية الدائمة والإنيات الحسية الداثرة ، وهو الخير المحض ، والخير لا يليق بشيء من الأشياء إلا به » ( ص 12 س 10 وما يليه ) .