ابن رشد

152

تلخيص كتاب البرهان

بهذا الحد أن الدائرة موجودة إذ قد يمكن أن ينطبق « 2 » هذا الحد على النحاس والحجر « 3 » . لكن إن فرضنا الأمر في الحدود على هذا لزمنا أمر شنيع . وذلك أنه إذا كانت الحدود لا تتضمن أنها موجودة لمحدوداتها فدلالتها دلالة الأسماء بعينها ، وذلك شنيع من جهتين . أما الجهة الواحدة فأن تكون الحدود لما ليس بموجود ، فإن هذه حال الأسماء - أعنى أنها قد تكون لأشياء غير موجودة . والجهة الثانية من الشناعة أنه يلزم أن يكون جميع الكلام المركب كله حدودا ، وذلك أن دلالة جميع الكلام المركب مساوية بالقوة لدلالة الأسماء ، فتكون « 4 » على هذا أقاويل « 5 » الشعراء والخطباء « 6 » كلها حدودا إذ كانت قوتها قوة الأسماء المفردة . وكما أن البراهين لا تقوم على أن الاسم دال أو غير دال ، كذلك يلزم أن يكون الأمر في الحدود . توجد براهين تعطى ماهية الشئ ووجوده معا أو ماهيته إن كان وجوده معلوما ( 121 ) ولموضع هذه الشكوك قد ينبغي أن نبتدئ ابتداء آخر ونتأمل الأقاويل في ذلك وأيها جرى على الصواب أو على غير الصواب . إلا أن الذي تبين « 7 » فيما سلف مما ليس فيه شك هو أن الحد والقياس ليس هما معنى واحد بعينه وأنه لا يكون لشيء واحد قياس واحد وأن الحد ليس يبين أن الشيء موجود

--> ( 2 ) ينطبق ف : يطبق ل . ( 3 ) والحجر ف : وعلى الحجر ل . ( 4 ) فتكون ف : فنكون ل . ( 5 ) الشعراء والخطباء ف : الخطباء والشعراء ل . ( 6 ) الشعراء والخطباء ف : الخطباء والشعراء ل . ( 7 ) فيما سلف . . . ليس يعطى ذلك ف : مما سلف مما ليس فيه شك هو أنه ليس العلم الحاصل عن الحدود وعن القياس شيئا واحدا بعينه من جهة واحدة ولا الحد والقياس شيئا واحدا بعينه ، وأن الحد لا يمكن أن يتبين بالبرهان وأنه قول تركيبه تركيب اشتراط وتقييد لا تركيب حل إلا إن أضيف إلى المحدود - - فيكون مقدمة . والذي بقي هو أن نبحث عن الحد ما هو ونبحث هل العلم الحاصل بالحد يمكن أن يستنبط من البرهان نفسه إذ ليس يمكن أن يبرهن عليه - على ما تقدم - أم ليس يمكن أن يستنبط منه ، وإن كان يمكن فمن أي إضافة يمكن . فنقول : أما البرهان الذي يعطى لم الشيء موجود وأنه موجود ، فقد قيل فيما تقدم أنه بعينه يعطى ما هو الشيء . لكن ذلك إنما يكون إذا كان المحدود مجهول الوجود وكان السبب الذي أعطى في جواب لم هو من الأسباب التي تقومت منها ذات الشيء ، فإن من هذه الأسباب تكون الحدود . وأما البراهين التي تعطى وجود الشيء ، فإنها إن كانت إنما أعطت وجوده من قبل أمر متأخر ليس هو بعلة لذلك الشيء فليس يمكن أن تعطى مع وجوده ماهيته . وذلك إذا كان الحد الأوسط أمرا ليس بجوهر بل عرضى . وأما البراهين التي تعطى وجود الشيء من قبل الأسباب التي تقومت منها ذات الشيء فقد يمكن أن تعطى مع العلم بوجود الشيء ماهية الشيء . مثال ذلك أن الذي يبرهن على وجود الكسوف للقمر بأنه ليس يوجد للقياس المنصوب له في تلك الحال ظل ، فغير ممكن أن يستنبط ماهية الكسوف من مثل - - هذا البرهان . وأما الذي يبرهن أن الكسوف موجود للقمر من قبل أن الأرض قد حجزت بينه وبين نور الشمس ، فهذا قد أعطى مع وجود الكسوف ماهية الكسوف لأن حجب الأرض له عن نور الشمس هي أكبر ماهية الكسوف . وذلك أنه كما يتفق في البرهان المطلق أن يعطى السبب والوجود معا ، كذلك يتفق فيه أن يعطى الوجود والماهية معا إذا عرض له أن كان السبب من الأسباب التي تقومت منها ذات الشيء . ومثال هذا من يبين وجود الرعد في السحاب من قبل انطفاء النار فيها ، فإن الرعد ليس ماهيته شيئا أكثر من أنه صوت في السحاب عن انطفاء النار التي فيها . ولا فرق بين البراهين والحدود التي بهذه الصفة إلا في الوضع والترتيب فقط . وينبغي أن يعلم أن هذا النوع من البراهين الذي يعطى الحد بذاته وجوهره هو البرهان الذي بين فيه وجود الشيء بحده ، وذلك إما على الإطلاق وإما في شيء ما . وأما إذا كان المحدود بين الوجود بنفسه / وحده مجهول ، فليس يمكن أن يستنبط بالذات من البرهان - كما قال أرسطو قبل ( انظر الفقرة 113 . ) بل إن كان فبالعرض . فقد تبين من هذا أنه غير ممكن أن يبرهن على الحد وأنه ممكن أن يستنبط من هذا النوع من البرهان وعلى هذا النحو من العمل ، وتبين متى يكون ذلك ومتى لا يكون . وأما الأشياء التي منها يستخرج الحد المجهول على الإطلاق في كل موضع فهي المواضع التي عددت في كتاب الجدل [ ( انظر تلخيص كتاب الجدل لابن رشد ، تحقيق بترورث وهريدى ( القاهرة : 1979 ) الفقرات 227 - 291 وخصوصا الفقرات 254 - 257 . ] أعنى البرهانية منها ل .