عبد الرحمن بدوي
12
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
جميع الأشياء التي تحته ويحيط بها ، وذلك أن كل ما كان أولا للأشياء « 1 » وعلة لها فهو ماسك لتلك الأشياء ومدبّر لها ولا يفوته منها شئ من أجل قوّته العالية . فالعقل إذن رئيس جميع الأشياء التي تحته وممسكها ومدبّرها ، كما أن الطبيعة تدبّر الأشياء التي تحتها بقوة العقل ؛ وكذلك العقل يدبر الطبيعة بالقوة الإلهية . وإنما صار العقل يمسك الأشياء التي بعده ويدبّر لها وتعلو « 2 » قوّته عليها لأنها ليست بقوة جوهرية له ، بل هي قوة القوى الجوهرية لأنه علة لها . والعقل يحيط بالأكوان الطبيعية وما فوق الطبيعة [ 10 ب ] - أعنى النفس فإنها فوق الطبيعة ، وذلك أن الطبيعة تحيط بالكون والنفس تحيط بالطبيعة ، والعقل يحيط بالنفس ، فالعقل إذن يحيط بالأشياء كلها . وإنما صار العقل كذلك من أجل العلة الأولى التي تعلو « 3 » الأشياء كلها لأنها علة العقل والنفس والطبيعة وسائر الأشياء . والعلة الأولى ليست بعقل ولا نفس ولا طبيعة ، بلى هي فوق العقل والنفس والطبيعة لأنها مبدعة لجميع الأشياء ، إلّا أنها مبدعة العقل بلا توسّط ، ومبدعة النفس والطبيعة وسائر الأشياء بتوسّط العقل . - والعلم الإلهى ليس كالعلم العقلي ولا كعلم النفس ، بل هو فوق علم العقل وعلم النفس ، لأنه مبدع العلوم . [ 11 ا ] والقوة الإلهية فوق كل قوة عقلية ونفسانية وطبيعية « 4 » لأنها علة لكل قوة ؛ والعقل ذو كلية لأنه أنية وصورة ، وكذلك النفس ذات كلية ، والطبيعة ذات كلية . وليس للعلة الأولى كلية ، لأنها أنية فقط . فإن قال قائل : لا بدّ من أن تكون لها كلية - قلنا : كليتها « 5 » لا نهايتها ، وشخصها الخير المحض المفيض على العقل جميع الخيرات ، وعلى سائر الأشياء بتوسّط العقل . 9 - باب آخر كل عقل فإنه مملوء صورا ، إلا أن من العقول ما يحيط بصور أكثر كلية ، ومنها ما يحيط بصور أقلّ كلية . وذلك أن الصور التي في العقول الثواني السفلية بنوع جزئي هي
--> ( 1 ) يقرأها ب : الأشياء - ثم يصححها ، مع أنها واضحة في المخطوط كما أثبت . ( 2 ) كذا في المخطوط وهو الصواب ، وقد قرأها ب : تعلق ( ! ) . ( 3 ) يصححها هانبرج هكذا : تعلق ، ويبقبها ب كما أثبتناها . ( 4 ) ص : لأنها . ( 5 ) ص : لا نهاية لها - وقد صححناها كما فعل هانبرج وبردنهيفر .