عبد الرحمن بدوي
252
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
ولما كان العقل الأول مبدعا صار يعلم الأشياء ويدبّرها بأنه إلهي ، لأنّ خاصّة العقل هي العلم ، وكماله وتمامه أن يكون عالما . واللّه سبحانه يتقدم العقل بالتدبير ويدبّر الأشياء بتدبير أرفع وأعلى رتبة من تدبير العقل لأنه هو الذي أعطى العقل التدبير . والأشياء التي لا ينالها تدبير العقل ينالها تدبير المبدأ الأوّل ، وهو موجود في الأشياء كلها على حال واحد ، لكن ليست الأشياء كلها بموجودة فيه على حالة واحدة لأن من الأشياء ما يقبل قوة إلهية قبولا وحدانيا ، ومنها ما يقبلها قبولا متكثرا ، ومنها ما يقبلها قبولا دهريا ومنها ما يقبلها قبولا زمانيا ، ومنها ما يقبلها قبولا روحانيا ، ومنها ما يقبلها قبولا جرميا . وكل جوهر قائم بنفسه فهو غير متكون من شئ آخر . فلذلك كانت الجواهر الروحانية والعقلية غير متكوّنة من شئ آخر ، لأن الكون إنما هو طريق من النقصان إلى التمام ، والعقل غير محتاج في في تصوره وتصويره إلى شئ آخر غيره ، فلذلك هو تامّ كامل دائما . وإنما صار هو علّة تصويره وتمامه من قبل نظره إلى علّته دائما : فلذلك النظر هو تصويره وتمامه معا . ولذلك لا يقع الكون والفساد لأنه واحد مبسوط غير مركب وهو متصل بعلّته اتصالا دائما : وإنما يقع الشئ تحت الفساد من أجل مفارقته علّته . وما دام [ 144 ] الشئ معلّقا بعلّته الماسكة الفاضلة فإنه لا يبيد ولا يفسد . ولما كان العقل دائم النظر إلى علّته ، وكان هو علّة ذلك النظر ، كان هو علّة نفسه وكان هو العلّة والمعلول معا : فإذن لا سبيل إلى الدثور والتغيّر عليه . وكل جوهر داثر وغير دائم فإمّا أن يكون مركبا ، وإمّا أن يكون محمولا على شئ آخر . والعقل ليس واحدا من هذين ، فلا سبيل للتغيّر عليه . ولما كان العقل مبسوطا قائما بنفسه لزم أنه لا يتجزّأ . وإذا لم يتجزّأ لم يقبل الفساد . وإذا كان كذلك لم يكن إبداعه في زمان وكان أعلى من الجواهر الزمانية ، وهو أرفع من الزمان ومن الكائن في زمان . * * * والدوام نوعان : أحدهما دهري ، والثاني زمانىّ . غير أن دوام الدهري قائم دائم ، ودوام الزماني متحرك . والدهري مجتمع وأفعاله كلها معا ليس بعضها قبل بعض ، والزماني سائل ممتدّ فيه متقدّم ومتأخر . وكلية الدهري « 1 » بذاته ، وكلية الزماني بأجزائه . فالجواهر
--> ( 1 ) ص : الدهر .