عبد الرحمن بدوي

253

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

منها ما هي دائمة فوق الزمان ، ومنها دائمة مساوية للزمان والزمان غير فاضل عنها ، ومنها منقطعة عن الزمان والزمان يفضلها من فوقها وأسفلها وهي الجواهر الواقعة تحت الكون والفساد . ولم يكن بدّ من متوسّط من الجواهر الدائمة التي فوق الزمان وبين الجواهر التي تحت الزمان ويكون هذا الزمان وصلة وجامعا بين الجواهر الفاضلة وبين الجواهر الدنيّة لئلّا تعدم الجواهر الدنية فضائل الجواهر الفاضلة فتعدم كل حسن وكل خير ولا تكوّن لها ولا ثبات ، بل ولا وجود . فما جوهره وفعله في حيّز الدهر بينه وبين الشئ الذي جوهره وفعله في حيّز الزمان موجود مشترك ، وهو الذي جوهره في حيّز الدهر وفعله في حيّز الزمان . واللقاح إنما يكون في الأشياء المتشابهة فلا بدّ من جوهر ثالث متوسّط بين ما جوهره وفعله فوق الزمان وبين ما جوهره وفعله تحت الزمان ، وهو شئ فوق الزمان وفعله تحت الزمان . ولا يمكن أن يكون شئ فعله في حيّز الدهر وجوهره في حيز الزمان . وإلّا فإن الفعل أكرم من الجوهر ، وهذا محال . وكل شئ واقع تحت الدهر فهو هوية فقط معا ، وكل شئ واقع تحت الزمان بجوهره وفعله جميعا فهو حسن حقا . وكل شئ واقع بجوهره تحت الدهر وبفعله تحت الزمان فذلك الجوهر هويّة وكون معا بوجه ووجه . ولأجل هذه الواسطة صار الجوهر المكوّن الواقع تحت الزمان متعلّق الوجود بالهويّة المحضة التي هي علّة الدوام وعلّة الأشياء الدائمة والأشياء الداثرة . ولا بد من واحد حقّ [ 145 ] هو الذي يفيد الوحدانيات وحدتها ولا يستفيد واحديته من غيره ، ولذلك صارت جميع الوحدانيات غيره فيها كثرة بوجه ما . وأقرب الوحدانية إليه أبعدها عن طباع الكثرة وأبسطها وأوسعها قدرة وقوة ونفاذا . والواحد الحق لا يمكن أن يكون في مرتبته غيره . وإلّا بما ذا ينفصل عنه ، وبما ذا يشاركه وينفرد عنه ؟ ! ولا يمكن أن يفرض أمر زائد إلّا ويوجب التركيب والكثرة ، ويحتاجان إلى واحد حق . ولذلك نقول إن الواحد الأوّل هو واحد حق . والواحد الثاني هو واحد فقط غير محض ، ووحدانيته مستفادة من الواحد الحق المحض . وهو الذي يفيد كلّ واحد وحدانيته ولا يستفيد وحدانيته من غيره . ولذلك يصدق قولنا عليه إنه الواحد الحقّ المحض .