عبد الرحمن بدوي
249
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
بصدر عنها فعل إلهي به تدبر الطبيعة ، وقوة عقلية يصدر عنها [ 141 ] فعل عقلي وهو علم الأشياء ، وقوة ذاتية نفسانية يصدر عنها فعل نفساني يحرك الجرم الأول وجميع الأجرام الطبيعية . والعلّة الأولى أعلى من الصفة ، لأنّها فوق كل علّة . وإنما توصف بالعلل الثواني التي استنارت منها ، لأن العلة الأولى تنير كل علّة ومعلول وهي لا تستنير من نور آخر لأنها هي النور المحض الذي ليس فوقه نور . فلذلك صار الأول وحده يفوت الصفة لأنه ليس فوقه علّة يعرف بها ، وكل شئ إنما يوصف ويعرف من تلقاء علّته ، فما ليس له علّة ولا هو معلول لشئ أصلا لم يعلم بعلّة أولى ، ولا يوصف لأنه أعلى من الصفة . ولا يبلغ المنطق صفته لأن الصفة إنما تكون بالمنطق ، والمنطق بالعقل ، والعقل بالفكر ، والفكر بالوهم ، والوهم بالحسّ . والعلّة الأولى فوق الأشياء كلها وعلّة لها ، فلذلك لا تقع تحت واحد من هذه . ولما كان العقل مع الدهر وفوق الزمان لم يقبل التجزئة ، لان كلّ ما يتجزأ فإنما يتجزأ في العظم أو في العدد أو في الحركة . وكل هذه التجزئات تحت الزمان ، والدليل على أنه لا يقبل التجزئة رجوعه على ذاته وهو صورة لا ينقص عنها شئ ، وجوهره وفعله واحد . وإنما يقال إنه كثير من قبل كثرة المنح الواصلة إليه من العلّة الأولى ؛ وهو إن تكثر بهذا النوع فإنه لما كان تلو الواحد كان واحدا . والوحدانية أولى به ، لأنه أول مبدع من العلة الأولى . والعقل يعلم ما فوقه وما تحته ، فيعلم المنح التي تأتيه من فوق ، ويعلم الأشياء التي هو علّتها ، فيعلم علّته ومعلوله بنوع جوهره ، فيدرك الأشياء إدراكا عقليا - عقلية كانت الأشياء أو حسّية - فيدرك الأشياء على نحو جوهره وذاته ، لا على نحو ما عليه الأشياء ، فيدرك المنح الأولى عقلية ، ويدرك الأشياء الجسمانية عقلية أيضا . والعقل إنما ثباته وقوامه بالخير المحض وهو العقل الأول . وقوة العقل أشدّ وحدانية من جميع الأشياء التي تليه لأنّه علّة لها ومدبّرها وممسكها بالقوة الأولى التي فيه . فالعقل يدبّر الطبيعة بالقوة الأولى ، والطبيعة تدبّر الأشياء التي تحتها بقوة العقل ، والطبيعة تحيط بالكون ، والنفس تحيط بالطبيعة ، والعقل يحيط بالنفس ، والعلّة الأولى تحيط بالعقل ، وعلمها فوق علم العقل ، والقوة الأولى فوق كل قوة . والعقل ذو حلية ، وكذا النفس والطبيعة ؛