عبد الرحمن بدوي

250

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

وأمّا العلة الأولى فليس لها حلية لأنّها أنّها « 1 » فقط . فإن قيل لا بدّ لها من حلية ، قلنا : حليتها لا نهاية لها ، وحقيقتها أنها الخير المحض المفيض على العالم جميع الخيرات وعلى سائر الموجودات بتوسّط العقل . والعقول كلها مملوءة صورا . لكن العقول الأول يكون فيها هذه الصور بنوع كلّى متحد . ويكون [ 142 ] في العقول الثواني بنوع متجزّئ . فالعقول الأول أشدّ روحانية ووحدانية وأقلّ تكثّرا لقربها من الواحد المحض . فلذلك صارت العقول الثواني تلقى أبصارها على الصور الكلية التي في العقول الأول الكلية فتجزّئها وتفرّقها ، لأنها لا تقوى أن تنال تلك الصور على حقيقتها وصدقها إلّا بالنوع الذي تقوى على نيلها أعنى بالتفريق والتجزئة ، وكذلك كل شئ إنما يقوى على نيل ما فوقه بالنوع الذي يليق به ويمكن في حقّه لا بالنوع الذي عليه الشئ المنال . والأوائل كلها بعضها في في بعض بالنوع الذي يليق أن يكون أحدهما في الآخر . فالمعلول في العلّة بنوع العلّة ، والعلّة في المعلول بنوع المعلول : فإن الحسّ في النفس بنوع نفساني ، والنفس في العقل بنوع عقلي ، والعقل في النفس بنوع نفساني ، والنفس في الحسّ بنوع حسّى . العقل إذا عقل ذاته عقل أنها علّة للمعلول الذي دونه ، فعقل إذن جميع ما دونه بأمر كلّى . وكل نفس فإن الأشياء الحسية فيها لأنها مثال لها ، وكل الأشياء العقلية فيها لأنها علم لها . وإنما صارت كذلك لأنها بساط بين الأشياء العقلية التي لا تتحرك ، وبين الأشياء الحسية التي تتحرك ؛ فلهذا صارت علّة للأجرام ومعلولة من العقل . فالأشياء الجرمية المتحركة هي في النفس بنوع نفساني روحاني وحداني ، والأشياء العقلية المتوحّدة الساكنة هي في النفس بنوع تكثر وحركة . كل عالم يعلم ذاته فهو راجع إلى ذاته رجوعا تاما ، لأن العلم فعل ما . فإذا علم العالم ذاته فقد رجع بفعله إلى ذاته ، فإن علم العالم لذاته يكون منه وإليه : يكون منه بأنه عالم ، وإليه بأنه معلوم . وإنما نعنى برجوع الجوهر إلى ذاته لأنه قائم بنفسه ثابت لا يحتاج في قيامه بنفسه إلى شئ آخر غيره يقيمه ، لأنه جوهر بسيط مكتف بنفسه . ولا نقول إن العلّة الأولى لها قوة غير متناهية . وإنما هذه صفة العلّة الأولى . فأما العلة

--> ( 1 ) - loov - الوجود ، اى لأنها محض وجود .