عبد الرحمن بدوي
247
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
ويقال « محدث » أيضا لما يقع في غير زمان ، مثل إدراك البصر المبصرات وإدراك العقل المعقولات والحسّ المحسوسات ، فإن هذه تقع في غير زمان . ويقال أيضا « محدث » لما له علّة لا يوجد من دونها وهو مساوق لها في الزمان لا يتقدّم أحدهما الآخر فيه مثل ضوء النهار « 1 » للشمس ، ودخول المصباح البيت المظلم ، والجاذب والمجذوب : فإن هذه لا تتقدم العلل المعلولات فيها بالزمان ، بل تتقدّمها بالطبع والمرتبة والشرف . فأرسطو يقول إن العالم محدث على هذا الضرب من البحث وهو أن له علّة أوجدته وهو الباري تعالى ، لم يتقدم أحدهما الآخر في الزمان ، بل أوجده دفعة من غير تكوين طبيعىّ : فإن الباري تعالى لمّا كانت قوّته غير متناهية لم يحتج في أفعاله إلى أن يكوّنها ويتمّمها في زمان ، بل أوجدها دفعة في غير زمان ، وهو الذي يقال إنه « قال فكان » و « أمر فخلق » . فإنه لما كان الزمان إنما هو عدد حركة الفلك بالمتقدّم والمتأخّر ، وجب أن يكون الزمان منحطا عن الفلك وموجودا بعد وجوده . فإذا كان هذا هكذا لم يسغ أن يقال إن الباري متقدّم على العالم بالزمان ، بل متقدّم عليه بالطبع وبالشرف والمرتبة . وهكذا يقول أبرقلس : فإنه قال : إنّا إذا قلنا في العالم إنه أزلىّ وقلنا في الباري - جل وعزّ - إنه أزلىّ لم نقصد بذلك إلى معنى واحد . لأنّا إذا قلنا في الباري - تقدست أسماؤه - نريد به معنى الدهر ، وإذا قلنا في العالم إنه أزلىّ أردنا به معنى الزمان : فإنّ الذي يليق بالمتكون هو « 2 » الزمان ، والذي يليق بالموجود هو الدهر . فمعنى الأزلية في الباري تعالى هو الدهر ، ومعنى الأزليّة في العالم هو الزمان . فهذا رأى أرسطو في ذلك . واللّه ولىّ التوفق ، وهو حسبنا وعليه توكّلنا وبه ثقتنا ، وله الحمد على جميع نعمه . وصلى اللّه على سيدنا محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين ، وسلامه . تمّت المقالة
--> ( 1 ) ص : النهى ( ! ) . ( 2 ) ص : هذا .