عبد الرحمن بدوي

246

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

وكلّ ما لا ينفكّ من الأعراض ولا يتقدّمها فهو محدث فالجسم إذن محدث . فإن رام إنسان إبطال هذا الدليل فقد قال بقدم الأجسام ، إذ كان الجسم لا يخلو من أن يكون قديما أو محدثا ؛ وبطل الدليل على حدثه ؛ فقد لزم قدمه . وهذا القول منهم باطل وهو قول من لا يعرف طرق البيانات والبرهان ، لأن الأشياء الطبيعية والمطالب فيها ليس يقوم على صحّة مطلوب منها قياس واحد فقط ، وذلك أنه قد يبين الشئ من الأشياء الذاتية له وهي المأخوذة في حدّه ، أعنى الأجناس والفصول ؛ وقد يبين من الخواصّ اللازمة له ؛ ويبين أيضا من الأعراض ؛ ويبين من الأفعال ، ومن الشهادات الخارجة عنه . فليس يجوز أن نقصر البائن « 1 » على مطلوب من المطالب - على قياس واحد . وإذا كان هذا هكذا ، لم يلزم أن يكون الجسم قديما على ما ظنّوه . وما أورده يحيى النحوي أولى بالقبول ، وهو أمه قال : كل جسم متناه ؛ والعالم جسم ؛ فالعالم إذن متناه . وكل جسم متناه فقوّته متناهية ؛ فالعالم إذن قوّته متناهية . والأشياء السرمدية ليست قواها متناهية ، فالعالم إذن ليس بسرمدىّ . وهذا الدليل أولى بالقبول من دليلهم ذاك ، لأنه مأخوذ من أشياء ذاتية ، ودليلهم مأخوذ من الأعراض . وقد استدل يحيى بعدّة أدلّة على حدث العالم . ولو نظروا فيها لعدلوا عن دليلهم هذا الفاسد إلى تلك الأدلّة . ويجب أن تعلم أن المحدث اسم مشترك يقع على ما وجوده في زمان ، مثل نبات هذه الشجرة وتكوّن هذا الجنين : فإن كل واحد من هذين إنما يتم وجوده في زمان ما معين « 2 » ، [ 48 ب ] فإن الأشياء الطبيعية المتكوّنة بالطبع توجد في زمان وتتكوّن أوّلا فأوّل وتبدأ من مبدأ وتنتهى إلى غاية هي كمالها في زمان معين .

--> ( 1 ) البائن : الدليل . ( 2 ) ص : وما عمله ( ! ) .