عبد الرحمن بدوي

228

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

ولو غمس في الدهن ، ما كان يفارقه بالحرارة النارية والهوائية دون أن يبطل الثوب . والسبيل في النفس هذا السبيل - فتفهّم ! - ولا يكاد يفارق الثوب الدهن إلّا بالرطوبة وملاقاة بعض الأركان اليابسة ؛ وهو شبيه بما دبّرناه في أمر النفس . قال أفلاطون : والجسد إذا أفردته فاحمل عليه الحرارة واليبس لتنقّيه جدا ، يعنى النار . قال أحمد : يأمر أن نبالغ في تكليس الجسد بعد إفراده ليبقى ويصفو ويخرج فضوله وما كان في نهاية التفاوت . وإنما يأمر أن يفعل ذلك بعد الإفراد لأن الجسد إذا كان مخالطا للشئ المتفاوت للروح والنفس ، فارق النار وتفرق ؛ إذ النفس والروح من طبعهما الذهاب والفراق . فإذا خالطا الجسد فارقاه بافتراقهما . قال أفلاطون : والجسد بعد التكليس الشديد لا يكون منه التشبث بالنفس والروح كما كان . قال أحمد : إن الحاجة إلى الشئ الذي أخبر به الفيلسوف أنه في الجسد ، من ترك التشبث ، شديدة . وذلك العمل هو ردّ الشئ إلى أقرب مشاكلة للبسيط . وإذا كان كذلك فإنه لا يثبت في دار الطبيعة إلّا بمركب يركبه . فإذا حلّ الجسد بهذا المحلّ كان مثبتا للشئ من غير أن يداخله ويخالطه . والتفاوت والتركيب أكثر ما يكونا بالمداخلة والمخالطة . قال أفلاطون : وإنما صار لا يقبله لأن التدبير قد أحلّه بالمحلّ الذي يقبل الأثر من الشئ الضعيف . فكيف من النار ؟ ! - إلى أن قال : فغيّره عن التركيب الأول فلم يجانس . قال أحمد : إن الشئ المدبّر تلطف أجزاؤه فيسرع فيه التأثير . فالنار إذا لقى الجسد المدبّر أثّر فيه تأثيرا يغيّره عن ماهيته الأولى فلا يكاد يجانس ما كان فارته من الروح والنفس . قال أفلاطون : والواجب أن يكون في أول التفريق الجسد أغبر قتما ، والنفس أحمر