عبد الرحمن بدوي

226

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

تفريقا ؛ فيجب على العامل أن يلقى القليل من هذا الجسد على النار ، فإن دخن أو رأى فيه أنه يفارقه شئ من الأشياء ، ردّه إلى التدبير وصيّر عليه حتى يبلغ مبلغا يصلح معه العمل . قال أفلاطون : وإنما وضعنا ذلك في الحول ، وأوفينا الأزمنة الأعمال لتتسع في الوقت . قال أحمد : لعلّك ذاكر ما أمرك به [ 32 ب ] ومثّله لك فيما سلف من القول : أن يكون تدبيرك للحلّ في الزمان الموافق له . وكذلك التفريق والتكليس وغير ذلك من أنواع العمل . فنفّس لك في الأجل ، ووسّع عليك في الوقت ليكون تدبيرك برفق . قال أفلاطون : ويجب أن تحتال في هذه الأجزاء حتى تكون مقاومة للأركان . قال أحمد : إن هذه الأجزاء المفرقة تحتاج في تدبيرها إلى المعالجة بالأركان ، وخاصّة النار . فإذا لم تكن مقاومة ، فارقت وبطلت . فيأمرنا الشيخ أن نحتال في ذلك . قال أفلاطون : وإنما لا يقاوم الشئ الشئ لتفاوت أو شكل . قال أحمد : كل شئ لا يقاوم النار فإنما يكون لعلّة شيئين : أحدهما أن يكون ضعيفا متفاوتا مختلف الذات فيسرع إليه الفساد ؛ والثاني أن يكون مشاكلا للنار فتسرع فيه . فالواجب أن يعرّى العمل من هذين الجنسين . قال أفلاطون : وأشدّ ما أخاف على السائل - إلى أن قال : فهو دسم . قال أحمد : يعنى بالسائل النفس . وفي الرطوبة التي في النفس دهنية يسرع معها في النفس النار ، وهي شئ قد أعيا الأوائل فيه التدبير ، لأن هذه الدهنية عسر استخراجها . فأصغ لما يأتي من قول الفيلسوف بعد هذا فإنه يدلّك على الحيلة فيه . قال أفلاطون : فدبّر الثاني مرارا كتدبير الأوّل حتى يتم التدبير . قال أحمد : يريد بالأوّل وضع العمل في القرعة والتفريق ؛ ويريد بالثاني أن يدبّر النفس والروح كل واحد على حدة كتدبير العمل الأول مرارا حتى يبلغ التدبير في التفريق نهايته ، لأن النفس إذا دبّرتها كتدبير الأول لا يخلو من أن يبقى في موضع الجسد بعض ، ويصعد منه ما يوافق الروح أيضا .