عبد الرحمن بدوي
225
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
قال أحمد : إني قد قلت فيما تقدم إنه من المستحيل أن تقيم الروح أو النفس في دار الطبيعة بذاتها دون أن تخالط ما يكون لها « 1 » كالمركب . فإذا نحن قلنا : النفس أو الروح في هذا العمل فإننا نعنى به الجزء الذي قد غلب فيه وغلبه أحد الشيئين . فجزء النفس مركبه الرطوبة لتشبثها به ، ولما كان ما يركب مع الجزء النارى . فإن « 2 » حصل مازجه الحدّ اللطيف السيّال المتقارب من جنس الهواء . قال أفلاطون : فاصرف العناية إلى الاحتفاظ بالجزء المخصوص بالروح . قال أحمد : لما كان النفس الرطوبة تضبطه والجسد ثابتا لجساوته - كان ما يجب أن يحتال في حفظه الجزء المخالط للجزء الهوائي ، لئلّا يختلط بشكله . قال أفلاطون : وتحتاج أن تبالغ في الافتراق جهدك حتى لا يبقى في الجسد من القوى الغريزية إلّا ما لا يحسّ . قال أحمد : كما تحتاج أن يقيم الشئ غالب فيه النفس والروح ؛ كذلك تحتاج أن تفرد الجسد حتى لا يشاركه غيره . ولما علم الفيلسوف أنّا لا نكاد أن نخلى الجسد من هذه القوى ، أجاز ما لا يحسّ . قال أفلاطون : وتعرف ذلك بالانقطاع وذهاب البهاء . قال أحمد : إن من أعظم الدليل أن الشئ الذي قد خلا مما كان فيه أنه إذا عولج بالعلاج الذي كان يستخرج به ما كان فيه لم يخرج منه . وأيضا فإن الشئ اللطيف المساوى إذا كان مخالطا للجاسى أحدث فيه وميضا وبهاء وحسنا . وإذا فارقه عدم كل ذلك فيه إذا كان من أجله كان ؛ وأنا أرى رأيا في هذا النوع من العمل ليس هو من آراء الفيلسوف ، وهو أن كل شئ ضعفت الحرارة والرطوبة عن استخراجه في زمان ما ، فإن الحرارة واليبس تخرجه أو بعضه في القليل من الزمان لأنه قد أتى عليه التدبير المحلّل الملطّف فصيّره موافقا له في اللطف . فإذا ألقى الركن الحادّ السريع ، الذي هو النار ، أظهر ما كان فيه وأحدث فيه
--> ( 1 ) ص : لهما . ( 2 ) ص : فات .