عبد الرحمن بدوي

164

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

أعضاء الإنسان خلق للنفس ومن أجله ، وأن كل ذلك مطيع للنفس والنفس المستولية عليها . قال أفلاطون : فانظروا إلى تدبير الإله ودقته وكيف تحل الأنفس مع قدرته ؛ فاقتدوا به وإن كنتم منقوصين ضعفاء ! قال أحمد : تدبر قول الفيلسوف هذا ، وانظر إلى اجتهاده فيما يكشف لك وما يطلب لك من المثال الذي يحفد « 1 » في علته والتقدير الذي تقتدى به ! ألا ترى أن الإله - عز وجل - مع إرادته لحل النفوس وقدرته على ذلك لا يعجل ولا يحمل على الشئ ما ليس في وسعه واحتماله ؟ فالواجب على الرجل المحبّ للعلم والإدراك أن يقتدى في الرفق والتأنى بالكامل القدرة المتمكن من الأشياء ، لا سيما وهو منقوص ضعيف كما وصفه الفيلسوف ؛ وفي امتثاله أمر الشيخ ما يجمع له الفضيلتين : الاقتداء بالله جل ثناؤه ، ونيل المراد . قال أفلاطون : واجعل هذه الأعضاء أيضا دليلا ، فإنما جعلت للتصفية والحلّ ، لا لغير ذلك - إلى أن قال : وإن جعلت أيضا للنفس فكذلك . قال أحمد : يقول الفيلسوف ويأمر أن نجعل الآلات التي نصفى بها العمل كالأعضاء التي في الإنسان . ويقول إنما جعلت الأعضاء في الإنسان ليفرّق بها بين اللطيف والكثيف . قال أفلاطون : وبالأعضاء ما قبل الشئ المتغاير وصار من الشئ مثله . قال أحمد : إنه بيّن عند ذوى الألباب أن تولد المنىّ من استحالة الأغذية بنضج الأعضاء لها وعملها فيها . فقد بان أن لعمل « 2 » الأعضاء يستحيل من الشئ ما يخالفه في الهيئة والتركيب فيكون منه مثله أيضا ، إذ من الحشائش والنبات والأغذية المعروفة فيها الحركة وما يوجد في الإنسان والحيوان يتولد الإنسان والحيوان ، وبالأعضاء ما يكون من الإنسان الإنسان ، ومن الحيوان الحيوان . قال أفلاطون : وكيف لا يكون كذلك ، وقد جمع بين الماء والنار ؟ !

--> ( 1 ) حفد في العمل : أسرع . ( 2 ) ص : العمل .