عبد الرحمن بدوي

163

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

قال أحمد : إنه قد تقدم القول في أن الماء عكر الطبيعة . فإذا كان كذلك ، فإنه أولى الأركان بالتشبث والضبط . قال أفلاطون : والآنية أيضا مما يسهل فيها الضّبط إذا استعملها النّحرير . قال أحمد : إن هذه الآنية وعد الفيلسوف إخراج عملها في الرابوع الأول ، وهي الآنية التي لا يحلها الماء ولا تذيبها النار . فيقول : إذا ضبط الحاذق العمل في هذه الآنية من غير دخيل يدخله عليه - تهيّأ له . قال أفلاطون : والآنية كعمل الإله لوعاء الجنس اللاهوتي الذي أخذ طينة فعجنها وخلطها بالماء والنار ، فصار الماء لا يحلها والنار لا تذيبها ، وصار أولى الأشياء لضبط وعاء الجزء اللاهوتي الطالب [ 14 ب ] لمحلّه . قال أحمد : إن من رأى الشيخ أفلاطون أن الأنفس لما سلكت من أجرام السماوات فوقعت في الطبائع السفلية كان المتشبث « 1 » بها من الطبائع ركن الرطوبة وهو الضابط للنفس والمانع له عن أفعاله كمنع السحاب والضباب نور الشمس وضياءه ، وأن الإله الأول - جل ثناؤه - فرق « 2 » بين أجزاء الرطوبة المتشبثة بالأنفس فكانت أجزاء سيالة رخوة ، فجعل لها الإله حينئذ بحكمته أوعية صلبة من جرم مخالط للنار والماء ، لا النار تذيبه ولا الماء يحلّه ، وهو جوهر العظام الذي منه القحف وعاء الدماغ . فلما أن جعل اللّه تعالى هذا الوعاء أراد « 3 » منه أن يحلّه من رباطه في أزمنة طويلة لئلا يلحق النفس في مفارقته ما ليس هو محتمل له ، فيكون الداعي إلى انغماسه في الطبيعة . فلما وجب أن يبقى الزمان الطويل ، فتح إليه الأبواب التي هي الحواس ، ثم أوصل بذلك الجسد ، ليكون الخادم له والمعين على ما يقاسيه من مجاذبة الطبيعة ومنابذتها . ثم جعل في هذا الجسد أعضاء التناسل والأعضاء القابلة للأغذية وغير ذلك مما قد أخبرت العلة فيه في سائر كتبنا . وسنأتي في هذه الكتب ببعض ما يستدل به الأصيل الرأي . فقد وجب بوجوب هذا القول أن جميع

--> ( 1 ) ص : التشبث . ( 2 ) ص : فوق . ( 3 ) ص : إرادة .