عبد الرحمن بدوي
162
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
واليبوسة للرطب ؛ فالطرفان المتسالمان مسالمة الحرّ للرطوبة ومسالمة البرودة لليبس ؛ وكذلك سائر الأركان سبيلها هذا السبيل . فلينظر الطالب بعين حكمته : فينظر في الابتداء وعلّته ، وكيف تركب واجتمع ليسهل عليه الكثير من عمل التحليل والتفريق . قال أفلاطون : وأصلح الوعاء والرباط ليكون مقتدرا على حفظ ما يحل . قال أحمد : يقول الفيلسوف إنك محتاج إلى الوعاء الذي تحبس فيه ما تحل من العمل وتربطه به لئلّا يفوتك ويفارقك ، لأن الشئ الذي قد صار في نهاية اللطافة طالب للعلو مفارق للسفل ، وهو عسر الضبط جدّا . فلهذا أمرك الفيلسوف أن تتقدم فيما تكفّ غائلته عن نفسك . وقد وضع الفيلسوف في ذلك أعمالا واحتال فيه بحيل : كان من حيله وأعماله أنه كان يرد في الشئ بعد ما يخرجه عنه البعض ليكون ممسكا له . فإذا أراد استعماله فرّقه عنه وأخرجه منه ، لأن الذي قد حدث عليه الافتراق وتعوده مسارع في المرّة الثانية إلى ما يراد منه . قال أفلاطون : وإن جعلت الرباط مساعدا كان بالجدير أن لا يداخل العمل ويركب معه - إلى أن قال : تحفّظه لتأمن شأن السفل . ( قال أحمد ) : يجب أن تخالف ما يراد في العمل ضبطه لئلّا يجتمع معه ويداخله فيضعف عندما يحتاج إليه إخراجه عنه . فإن المراد أن يحفظه لئلّا يفارق . وأما قوله : « تأمن شأن السفل » فإن الآراء مجتمعة أن السفل فقير إلى العلو طالب لمخالطته والتشبث به . وتكلموا في السماد وما تولد من القوى التي تظهر بعده في النبات ما أدى إلى البيان أن أكثر نفع السماد لما قد خصّ به من تفاوت التركيب ، وإنه من إعجاز الطبيعة . فليس كل ما تولد من أجل ما يذهب إليه ، بل لما تقدم من القول في أن من شأن البالغ في التفاوت التشبث باللطيف لفقره إليه . فإذا تشبّث به ضبطه وطلب اللطيف مفارقته إذا ينافره ؛ فيظهر بعد ذلك مفارقا له في الثبات . هذا سوى ما يفارقه في الظل وغير ذلك مما لا يحسّ . قال أفلاطون : واليال أوثق ما تربط به .