عبد الرحمن بدوي
154
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
القوى الطالبة للعلو ، ويكون الحل في أوان استيلاء جذب القوة خطأ لأنه يكون إذن المعين على فوت القوة . وكل من رأى رأى أرسطوطاليس « 1 » فيه أنه ذهب في معنى قول الفيلسوف أن يستعمل الحلّ في الشتاء ، وذلك لاستيلاء القمر على الزمان لارتفاعه خاصة في هذا الإقليم ثم مشاكلة الزمان له بالرطوبة والبرد ، فيكون الزمان [ 11 ب ] الرطب أعون على الحل ، ويكون العقد في الصيف المستولى عليه الشمس بالارتفاع ومشاكلة طبع الزمان . وليس شئ من هذه الأقاويل - وإن كانت لا تخلو من الصواب - بالمقنع ولا قصد فيه عندي لمذهب الفيلسوف ، لأن غلوقن يدخل على الفيلسوف ما قد عابه عليه التلامذة . وقول أرسطوطاليس ليس يكذب قول الفيلسوف الذي « 2 » يأتي بعد ، لأن من رأى الفيلسوف أن العمل يتم في سنة شمسية ، ويأمر بعقد الشئ وحلّه مرارا . فإذا كانوا قد خطئوا الحل إلا في الشتاء والعقد إلا في الصيف ، فكيف يتم العمل في سنة ؟ ! والواجب على معتقد هذا الرأي أن ينتظر بالحل الشتاء ، وبالعقد الصيف . والذي عندي في ذلك ما يشاكله من آراء الفيلسوف في غير هذا النوع ، وهو ما ليس من شكل هذا الكتاب . إلا أن الأشياء يتعلق بعضها ببعض : فمن قد بخس الجزء فقد بخس الكمال . فرأى الفيلسوف في هذا القول إنما غرضه الاستعانة بالقوة الروحانية وتألّف من أرواح هذين الكوكبين ما يكون المعين . ألا ترى أنه يقول إن الأثر يظهر وليس يكلف مع ذلك العامل أن يقصد في التألف ما يقصده المتألف للالتماس أو الأعمال الجليلة ، بل لافتقاره على الذخر التي تشاكلها في أوان استيلائها في الأيام والساعات والابتهال إليها في تيسير العمل وبيانه والتوفيق فيه ، فيكون أقل ما ينتج له هذا الفعل كفّ الغائلة إن منع المعاونة ، لأن المتخوف من القمر في أوان الحل جذب القوة ويتخوف ذلك أيضا من الشمس في أوان العقد . قال أفلاطون : وإذا استعين بالعلوي كفّ السفلى . قال أحمد : إن هذا القول مصدق لما أتيت به قبل . والأرواح السفلية ، وإنّ لم تبلغ من قوتها أن تجذب القوى كما تجذب العلوية ، فإنها لا تخلو من الصور في كل نوع من الفعل . فيقول الفيلسوف إن من عاونته العلوية لم تضره السفلية .
--> ( 1 ) ص : أرسطوطاليس ( بغير راء - تحريف ) ( 2 ) ص : التي .