عبد الرحمن بدوي
153
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
قال أفلاطون : وتنبهوا واعلموا أنكم تركبون خطّة عظيمة إذ أنتم محتاجون « 1 » أن تقلبوا الماء نارا والنار ماء - إلى ما هو أدقّ . قال أحمد : يقول لكم ، معاشر الطالبين ، غوامض العلوم وخفيات الأعمال : إن عليكم الصعب الذي لا يستغنى عن التدبير الدقيق والرأي الكامل . ثم يمثل فيقول : إنه قلب الماء نارا والنار ماء . وقوله : « إلى ما هو أدق » فإنه يعنى به رد الأركان إلى البسيط ، وذلك أرفع من التدبير الأول الذي هو قلب النار ماء . وإنما قال : النار والماء ، لأنهما أبعد الأركان شكلا . فأما العمل ففيه قلب تركيب كل الطبائع . قال أفلاطون : والعمل الذي كان من غير المستحيل فوق القمر ، تحته من المستحيل يصعب . قال أحمد : يعنى أن التدبير الذي هو القلب من العلّة الأولى الذي لا يقبل الاستحالة في الموضع الذي هو كذلك . وإذا دام المستحيل في نفسه في موضع المستحيل الذي هو تحت الفلك ، مثل ذلك الفعل فبالواجب أن يتعب . قال أفلاطون : وعند انتدابك في العمل فاستعن في التحليل بالقمر ، وفي التصعيد بالشمس - إلى أن قال : فإن أثرهما يظهر . قال أحمد : الذي أنبأك به قول له فيه وفي سائر آرائه - مذهب أنا مخرج لك جمله ، فأبدأ ببعض ما أتى به بعض تلامذة الشيخ أفلاطون : فمنهم غلوقن « 2 » فيقول : إن من رأى الأوائل أن ما بين الاجتماع والاستقبال القوة للقمر ، وبين الاستقبال والاجتماع القوة للشمس . فكل أمر من الأمور التي يستولى عليها أحد هذين الكوكبين يكون الأثر للكوكب في أوان قوّته واستيلائه أكثر . فيقول الفيلسوف إن الاختيار لأوان التحليل : بعد الاجتماع ، والتعقيد : بعد الاستقبال . - وقد تكلم في هذا النوع تلامذة الشيخ وأكثروا القول وخطّئوا الفيلسوف في رأيه هذا . وذلك أنهم رأوا أن القوة تنجذب إلى العلو بعد الاجتماع أكثر منه بعد الاستقبال ؛ واحتجوا في ذلك بالمدّ والجزر وغير ذلك من
--> ( 1 ) ص : محتاجين . ( 2 ) - Glaucon