عبد الرحمن بدوي
135
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
قال أفلاطون : والثنايا خاصّة لها بصيص يستدلّ منه على القوة المربوطة . قال أحمد : إن البصيص غير المفارق دليل أن القوة المطلوبة في هذا النوع قد ربطت بالشيء ومازجته ممازجة يعسر فراقه . ومن الأشياء ما تكون القوى فيها غير محكمة الوثاق فتنحلّ عن الشئ بسرعة . واعلم أن البصيص في جميع الأشياء قوة طالبة لمفارقة الشئ قد عسر عليها ، أعنى القوة ، فراق ذلك الشئ المخالط لها . قال أفلاطون : وسائر الأعضاء السفلية فقسه إلى العلوية وتدبّر . قال أحمد : لما كان الفيلسوف قد أخبر عن أعضاء الرأس ما قد تقدم ، استغنى عن الكلام في الجسد ، إذ كان لا يخلو ما في الجسد أن يكون له شبه ومشاكلة من أعضاء الرأس . قال أفلاطون : ولا بد من الكلام في المخ ، إذ هو مثلث قابل للجنس البسيط . قال أحمد : ما أحسن هذا القول وأبين صوابه وأحرى أن تشتغل النفس بتفهمه ! ولولا أن الكلام في تفسير هذا القول يطول طولا يمنع عن إخبار المقصود في هذا الوقت ، لكنت أصرف أكثر همّى إلى الإخبار بما تتبيّن به صحّة هذا القول ويكشف عن غامضه ، وإن كنت قد أخرجت ذلك في كثير من كتبي على غاية البيان والبرهان فلا أخلى هذا الفصل من قول مختصر يتبين للناظر فيه معنى لفظ الفيلسوف : اعلم أن جلّ الأوائل اتفقوا أن مسكن النفس العقلية الدماغ ، وأنه كجرم المصباح في ذلك [ 6 ب ] الموضع ، فقد نفذ نوره في الجسد ؛ وأن العضو الغالب فيه النفاذ والمؤدى إلى سائر الأعضاء القوة هو المخ ، لأنه مثلث التركيب ، وهو أقرب أعضاء الجسد مشاكلة للبسيط . قال أفلاطون : لولا أنه سريع القبول للفساد ، لكان ينبغي أن يعتمد - إلى أن قال : فاستعمله إن أردت للمحمود وتحرّز من المذموم . قال أحمد : إن المخ كثير الدسم ، والنار تسرع فيه جدا ، وهو أيضا قليل الثبات مع غير النار من الاجرام . فيقول الفيلسوف ان استعماله لقرب مشاكلة البسيط محمود ، ولدسمه