عبد الرحمن بدوي

89

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

إلا ما شاهدته « 1 » ببصر الجسد وسمعه وذوقه وشمّه ولمسه فأنت إذن موقفة « 2 » على طريق العطب ومقاساة العذاب . يا نفس ! إنّ حدّ التقى « 3 » كلمة ينبغي أن تعقليها وتتيقنى معناها « 4 » . فحدّ التقى « 5 » أن تتقى الأشياء الضارّة لك « 6 » . وكل شيئين يكون أحدهما ضارّا للآخر فينبغي أن يكونا مختلفين في معناهما ، لأن المضرّة إنما تكون بالمخالفة ، كما أن المنفعة إنما تكون بالاتفاق . ومن اتقى الأشياء المضرّة « 7 » كان متقيا بالحقيقة ؛ ومن واصل الأشياء المضرّة له مع الأشياء النافعة فقد صار لا متقيا بالحقيقة البتة : لا لضارّ ولا لنافع . ومن واصل الأشياء الضارّة له واتقى الأشياء النافعة له فقد يقال له أيضا إنه غير متق « 8 » إذ اتقى ما ينفعه وواصل ما يضرّه . وليس يوجد في الموجودات شئ آخر يكون لا نافعا ولا ضارا « 9 » . فإن آثرت يا نفس المنفعة فواصلى الأشياء الموافقة لك في معاييك ، وإن آثرت المضرّة فواصلى الأشياء المخالفة لك في معانيك . وإن آثرت الحيرة والتوهان والإشراك « 10 » والشكوك فواصلى الأشياء النافعة والأشياء الضارة جميعا . إذ لا تجدين حالا من الأحوال غير ما قد رسمته لك . فتيقنى يا نفس هذه المعاني : فإن كنت نيّرة مضيئة فلا تشافهى الظلمة « 11 » ، وإن كنت حيّة ناطقة فلا تشافهى الموتى البكم . وإن كنت عاقلة مميّزة فلا تشافهى الجهّال والعميان . يا نفس ! تهدّى إلى الشئ النافع لك باتفاقكما « 12 » ، وإلى الشئ الضارّ لك باختلافكما

--> ( 1 ) ب : تشاهدينه . ( 2 ) ب : موقوفة - وما أثبتنا في ص ، س . ( 3 ) ص ، س ، ن : الاتقاء . ( 4 ) ب : كلمة يجب أن تعرفي معناها . ( 5 ) ب : وإن . ( 6 ) ب : الضارة له . ( 7 ) ب : الضارة له . ( 8 ) ص ، س : إنه متق . ( 9 ) ب : لا يكون ضارا ولا نافعا . ( 10 ) ب : الاشتراك والشكوك . ص ، س : الإشراك والشرك . ( 11 ) ب : المظلمة . ( 12 ) ب : باتفاقكما في المعنى . ولا تتهدى إلى الشئ الضار لك .