عبد الرحمن بدوي
60
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
الضعيف العقل بنعيمها واعتقده دائما وأنسى « 1 » بؤسها وأهمله ثم يقول : خدعتنى الدنيا ! وأىّ خداع خدعته الدنيا ! وإنما هو المخادع « 2 » نفسه والمهلك لها . يا نفس ! لا تكن « 3 » أخلاقك في هذه الدنيا كأخلاق الصبىّ الذي لا عقل له : إن أطعم ورفق به رضى وضحك ؛ وإن شدّد عليه بكى وغضب : فهو بينما يكون ضاحكا حتى يكون باكيا ، وبينما يكون راضيا حتى يكون غضبان . وليست هذه أخلاق العقل الوحيد « 4 » ، بل أخلاق مشتركة مذمومة . يا نفس ! إنما رتّبت الدنيا على هذه المعاني المختلفة التي هي خير وشر ، ونعيم وبؤس ، وشدّة ورخاء - تنبيها « 5 » للنفس ، وإيقاظا لها ، ومثالات تعمل عليها فتكتسب بذلك العقل المضيء المنير « 6 » والعلم الثابت « 7 » الذي هو الحكمة والمعرفة بحقائق الأشياء ، وإنما وردت إليها النفس لتعلم وتخبر « 8 » . ومن « 9 » ورد إلى محل من المحالّ ليعلمه ويخبره ويعرف حاله ثم ترك العلم والبحث والاختبار وتشاغل بالنعيم والتلذّذ - فقد ضيّع مطلبه ونسي أربه الذي قصد له . وإنما شرحت لك يا نفس هذا الشرح لئلّا تكوني في رتبة الذامّين للدنيا عند سخطهم « 10 » عليها ، والمادحين لها عند رضاهم عنها ، وليس هم بالحقيقة لا ذامّين ولا مادحين ، بل هم تائهون ضالّون قد أضاعوا طلبهم وأنسوا « 11 » أربهم وذهب استعمالهم آلاتهم باطلا
--> ( 1 ) ب : ونسي . ( 2 ) ع ، ر : الخادع . ( 3 ) كذا في س ، ص . وفي ب : لا تكوني في أخلاقك في هذه . وأصلحها فليشر : تكونن . . . وما أثبتناه أفضل . ( 4 ) كذا في ص ، س . - وفي ب : الوحيدة . وفي ع ، ر : رضيّة . ( 5 ) ب : ورخاء ومثالات تعمل تنبيها للنفس وإيقاظا لها عليها - وهو تحريف . ( 6 ) ب : النير . وفي س ، ص ، ع ، ر كما أثبتنا . ( 7 ) كذا في ص ، س . أما في ب فهي : التام . ( 8 ) ب : تختبر . ( 9 ) ب : وهي مثل من ورد إلى محل من المحال لتعليمه ويختبر حاله . . . ( 10 ) ب : ردهم لها - وما أثبتنا في ص ، س . ( 11 ) ب : ونسوا .