عبد الرحمن بدوي
47
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
الصاعدة بالحرارة إلى الرأس كان « 1 » الشعر منها وكالأرض الندية إذا حميت الشمس أنبتت عشبا كذلك فالحرارة ( التي ) فينا تنبت الشعر ولذلك صار الشعر يظهر في الرأس لاستقامة قامة الإنسان . ( ولو « 2 » ) كان الإنسان كذوات الأربع القوائم لظهر في يديه كله من الشعر ( كما ) يظهر في ذوات الأربع قوائم لانتشار الحرارة في جميع البدن ؛ فلما صار الإنسان مستوى القامة ، والحرارة من جوهرها الصعود إلى فوق ، عملت في الموضع الذي انتهت إليه وهو الرأس « 3 » فأنبت الشعر « 4 » . وأما الأطفال فكذلك لا ينبت على أجسادهم الشعر حتى ينتهوا إلى قامة الشباب ، لأن الأطفال رطوبتهم غالبة وحرارتهم ليست بحارة حرّيفة كحدّة حرارة الشباب ، فلذلك صار شعورهم زغبا ليّنا ضعيفا . فكلما انتقضت الرطوبة من أبدانهم وغلبت عليهم الحرارة الحادة والحريفة ، أظهرت الشعر وأنبتته كالأرض الرطبة جدا لا تنبت عشبا ، كذلك أبدان الأطفال لا تنبت الشعر ؛ وكالأرض الجافة جدا لا تنبت عشبا بل يجف ما فيها من العشب ، كذلك أبدان المشيخة « 5 » لكثرة يبسها وقلة غذائها يتساقط ما فيها من الشعر ؛ ( وليس ) كذلك أبدان الشباب . وأول ما ينبت الشعر في الإبطين والعانة لسخافة « 6 » هذين الموضعين . ثم كلّما انتشرت الحرارة في البدن كله أنبتت الشّعر في البدن كله . وقد تكون اللحية للرجال ولا تكون للنساء والصبيان والخصيان لهذه العلة ، لأن قامة الصبيان الرطوبة غالبة عليها كالذي ذكرنا وحرارتهم ليست حرّيفة حادة ، وكذلك أيضا أبدان النساء وأبدان الخصيان ملائمة بعضها بعضا وإن قد تختلف بالكثرة والقلة . فإذا سخن البدن وعمل في الرطوبة التي في البدن ارتفع البخار إلى الجنبين فنبت الشعر . ولذا « 7 » النساء والخصيان قد عدموا اللحية . وإذا قلّت الحرارة لم تكن أن تثور في جميع المواضع . وقد تثور في النساء عند العانة لحرارة الحيضة واجتماعها لاجتماع الدم في ذلك الموضع . فإذا
--> ( 1 ) ما بين الرقمين في الهامش . ( 2 ) خرم في الأصل . ( 3 ) ما بين الرقمين في الهامش . ( 4 ) ص : الشعرة . ( 5 ) المشيخة - الشيوخ . ( 6 ) السخافة : ضد الكثافة . ( 7 ) ص : ولأن .